الصفحة 172 من 180

من الإهمال) ومما ينبغي أن يذكر أيضا أن الحكم الفقهي لا يؤخذ من الشريعة أخذا أوليا فكما أن الإنسان لا ينطق بلسانه إلا وسائر حواسه سليمة ولا يفكر تفكيرا سليما إلا وجميع حواسه موجودة فكذلك الحكم الفقهي لا يؤخذ من نص بمعزل عن سائر النصوص فأي حكم فقهي لا يؤخذ من نص واحد يجب جمع جميع الأدلة لهذا الحكم ثم استنباط الحكم بإعمال قاعدة الجمع بين الأدلة فإن تعذر الجمع لا بد من أن نرتب الأدلة والترتيب يكون على أصول علمية وليست على هوى وتشهِّي فمن حيث الاستنباط يوجد قواعد للعلماء في الترتيب فنرجح الجلي على الخفي فمثلا عندنا نص يؤخذ منه حكم سيق النص من أجله وهذا يسمى نص وعندنا نص آخر يدل على الحكم بظاهره ولا نعرف أن النص قد سيق من أجله وهذا يسمى الظاهر ولذا العلماء يقولون النص مقدم على الظاهر وهذا المراد بتقديم الجلي على الخفي وكذلك الظاهر مقدم على المؤول فالنص الجلي الواضح البين الذي لا يعتريه احتمالات وسيق من أجل الحكم أصالة يقدم على النص الظاهر الجلي الذي لا يعتريه الاحتمالات أيضا ولكن ما سيق أصالة للحكم ولذا الفقهاء المدققون يقولون ظاهر النص يقول كذا ومنطوق النص يقول كذا وهكذا.

ومن قواعد الترجيح أن الموجب للعلم مقدم على الموجب للظن وهذا ترتيب من حيث القوة فمثلا عندنا نص دل على حكم وهذا الحكم يخالف حكما مقررا في سائر نصوص الشريعة فأشبه ما يكون بالمحكم والمتشابه فنحمل المتشابه على المحكم فبعض النصوص في مرتكبي الكبائر تشير إلى تكفيره ونصوص كثيرة شهيرة قطعية واضحة بيّنة تبين أن مرتكب الكبيرة أمره إلى الله فنحمل الأمر المحتمل على الأمر القطعي فالموجب للعلم مقدم على الموجب للظن عند التعارض وعدم إمكانية الجمع فنقدم القطعي على الظني والظني بمعنى غير المتواتر فنقدم الأقوى فالأقوى فنقدم المتفق عليه على المختلف فيه ولكن ما ينبغي أن نتعجل في ذلك فقد ذكر الآمدي في كتابه الإحكام أكثر من مائة طريقة للتوفيق بين الأدلة المتعارضة ومن هذه الطرق التي ذكرها تقديم الحديث الذي في الصحيحين على غيره ولكن هذا تقديم جملي فلا يلزم أن كل حديث في مسلم أصح من كل حديث في مسند أحمد مثلا ففي مسند أحمد ثلاثيات كثيرة أما عند مسلم لا يوجد عنده ثلاثيات وكلما علا الإسناد كان مظنة القوة والضبط.

ومن قواعد الترجيح: تقديم النطق على القياس فيقدم المنطوق على المستنبط وحتى القياس ليس سواء فالقياس الجلي ليس كالقياس الخفي والقياس الأولى مقدم على القياس المساوي والمساوي مقدم على الأدنى وهكذا.

ومن قواعد الترجيح أيضا: أن الحقيقة مقدمة على المجاز وأن ما كان مدلوله نهيا مقدم على ما كان مدلوله أمرا لأن أكثر النهي جاء دفعا للمفسدة وأكثر الأمر جاء جلبا للمصلحة واهتمام العقلاء بدفع المفسدة أشد وقالوا لأن النهي يدل على الدوام بخلاف الأمر يدل على المرة فالذي يفيد الدوام أقوى من الذي لا يفيد الدوام ولذا جاءت قاعدة الحاظر مقدم على المبيح ومن الأمثلة على أن الأمر يدلل على المرة الواحدة قول النبي - صلى الله عليه وسلم -"اصبغوا وخالفوا المشركين"وقوله"كلوا الزيت وادهنوا به"فلو صبغت مرة وادهنت مرة لأديت الواجب.

ومن القواعد كذلك: ما كان مدلوله على الوجوب مقدم على ما كان مدلوله على الإباحة وهذا يسمى مراعاة الاحتياط والعمل بالاحتياط وهي مسألة شائكة جدا وفصّل في المسألة الشاطبي في الموافقات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت