وقال مالك:"إن حقًا على من طلب العلم أن يكون له وقارٌ وسكينة وخشية وأن يكون متبعًا لآثار من مضى قبله"0
ولا يعني كون المرء خلوقًا أن يسكت عن إنكار المنكر، ويقر الباطل حتى يقال عنه خلوق؛ فإنه لا تضاد بين إنكار المنكر والتمسك بالآداب والأخلاق؛ فيكون أمره بالمعروف بمعروف؛وإنكاره للمنكر بغير منكر؛ فلا يجفو ولا يغلو0
فإذا كان متأدبا بطرحه، قويًا في حجته، فما يضره بعد ذلك كلام من تكلم وتشويه من شوّه؛ وليكن همه رضا الله وحده لا شريك له ولا معبود سواه ؛فلا ينظر إلى فلان أو إلى علان؛ ولكل حال ما يقتضيه، والموفق من وفقه الله لاتباع خير الورى وصفوة الخلق محمد صلى الله عليه وسلم.
فإذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر بكل أدب وحكمة ولم يتقبل منه ؛فليحمد الله على ما وفق إليه من الخير؛حين ضلّ عنه كثير.
قال الحسن البصري: السني يعرض الحكمة فإن قُبلت حمد الله؛وإن ردت حمد الله0
إن قُبلت حمد الله لهداية الخلق على يديه؛ وإن ردت حمد الله أن وفقه الله للحق الذي لم يوفّق له من دعاه إليه.
وينبغي له بين ذلك أن يتحسس نعمة الله تعالى أن هداه، وأن يرحم حال من لم يوفّق إلى الخير؛ فإذا به يتأرجح بين شبهات البدع؛ أو ظلمات الآثام؛مع القيام بأمر الله فيه؛وحمد الله الذي عافاه من حاله؛ وليستحضر دائمًا قوله تعالى:"كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم"؛ وليحذر أن يأخذه الكبر والاغترار وكأنه معصوم؛فيحتقر العصاة، وكأنه كتبت له النجاة بين يدي الله ؛وعليه بلزوم التواضع وحمد الله على المنة، يقول ابن القيم:
واجعل لقلبك مقلتين كلاهما بالحق في ذا الخلق ناظرتان
فانظر بعين الحكم وارحمهم بها إذ لا تردُّ مشيئة الديان
وانظر بعين الأمر واحملهم على أحكامه..فهما إذا نظران
واجعل لوجهك مقلتين كلاهما من خشية الرحمن باكيتان
لو شاء ربك كنت أيضًا مثلهم فالقلب بين أصابع الرحمن