فقد أخذتها الغيرة؛ووصل الحياء منتهاه، فانتبهت لأمر لا يعدُّ شيئًا بالنسبة لهول ذلك المشهد العظيم، لكن لفرط غيرتها استحوذ الموقف على تفكيرها.
وهذا علي رضي الله عنه يرسل إلى إحدى المدن يخاطب أهلها، يقول:"بلغني أن نساءكم يزاحمن العُلوج -كفار العجم- في الأسواق، ألا تغارون؟!! إنه لا خير فيمن لا يغار".
وهنا السؤال:
لِمَ تحركت هذه الغَيْرة في قلوبهم؟
لأنهم قد سمعوا وتعلموا، وعرفوا أهمية الأمر الذي يوصي به النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخذوا به، واجتهدوا في تطبيقه، وتركوا الوقوع في خلافه.
ثم بعد ذلك مضت العصور ، وارتحل أولئك النفر الأطهار الأبرار، الذين رفعوا راية التوحيد خفّاقة، وأذلُُّوا الشرك وأهله،وخفضوا رايتهم.
ولكن بقيت آثارهم الطيبة محفوظة، ليتعلم منها الناس، وليهتدوا بها.
لذلك لم تختفِ تلك الأمثلة الطيبة حتى بعد رحيلهم، لان الذين جاءوا من بعدهم تمسّكوا بما كان عليه أولئك النفر الطيبون.
وتأمل هذا الموقف الذي يعكس لك مدى"الغَيْرة"عند من تمسك بآثار السلف، وسار على طريقهم:
"حضرت امرأة عند أحد القضاة، وادّعت على زوجها أن لها عليه خمسمائة دينار مهرًا، فأنكر الزوج أن يكون لها في ذمته شيء،فقال القاضي: هاتِ شهودَك ليشيرون إليها في الشهادة، فأحضرهم، فاستدعى القاضي أحدهم وقال: انظر إلى الزوجة لتشير إليها في شهادتك، فقام الشاهد وقال للزوجة: قومي، فقال الزوج: ماذا تريدون منها؟ فقيل له: لا بد أن ينظر الشاهد لوجه امرأتك لتصح معرفته بها."
فأخذت الرجل الحميّة، وحرّكته الغيرة على زوجته، وصاح أمام الناس: إني أُشْهِدُ القاضي على أن لزوجتي في ذمتي هذا المهر الذي تدعيه، ولا تُسفر عن وجهها"."
رحمهم الله..
أين هم من أناس في هذا الزمان، انسلخوا من الحياء، وفقدوا الغيرة، فخرجت نساؤهم كاشفات الوجوه والرؤوس والأيدي والسيقان، ويزعمون أنهم أهل غيرة !!
فالله المستعان ، وإليه المشتكى.