ثم قال رحمه الله: (ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه) .
ذكر المؤلف رحمه الله في هذا المقطع البدعتين الرئيستين فيما يتعلق بالأسماء والصفات، وهما بدعة التمثيل وبدعة التأويل والتحريف الباطل.
يقول رحمه الله: (ومن لم يتوق النفي) والنفي هو طريق المؤولة أهل التحريف والتعطيل، سواء كان تعطيلًا كليًا كقول الجهمية، أو جزئيًا كقول المعتزلة وبعض مثبتة الصفات.
يقول: (والتشبيه) المراد به: التمثيل، فمن لم يتوق هاتين البدعتين: - بدعة التعطيل.
-وبدعة التمثيل.
زل، ولا إشكال أنه زل، والزلل هو: الخروج عن الطريق المستقيم.
قال: (ولم يصب التنزيه) يعني: لم يصب ما قصده من تنزيه رب العالمين، فإن تنزيه الله جل وعلا لا يكون إلا من طريق الكتاب والسنة، وكل من اقترح طريقًا ينزه فيه الرب جل وعلا خارجًا عن الكتاب والسنة فإنه لم يصب التنزيه، بل التنزيه الكامل التام هو في إثبات كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الكلام عن الله عز وجل كلام عن غيب، والغيب لا سبيل إلى إدراكه إلا بالوحي، ولا يكون تمام التنزيه إلا في إثبات قول الله وقول رسوله والتزام ما جاء في الكتاب والسنة.
وقوله: (ومن لم يتوق النفي والتشبيه -أي: والتعطيل والتمثيل- زل ولم يصب التنزيه) وهذا فيه الرد عليهم؛ لأنهم قالوا: إنما نؤول لكي ننزه الله جل وعلا، فيقال لهم: ليس في تأويلكم تنزيه للرب جل وعلا، بل في تأويلكم إثبات النقص له سبحانه وتعالى عما تقولون علوًا كبيرًا.
ولذلك قال شيخ الإسلام رحمه الله: (كل من أول النصوص بشبهة يروم بها تنزيه الرب جل وعلا لزم على قوله أعظم مما فر منه) .
فالذين يؤولون الرؤية ويقولون: إن قوله تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} [الأنعام:103] يعني: لا يرى تنزيهًا له عن أن يكون في جهة أو عن أن يكون جسمًا؛ لأن لازم الرؤية عندهم أن يكون جسمًا كما يزعمون، قلنا لهم: أنتم فررتم من التجسيم وفررتم من أن يكون في جهة فوقعتم في أعظم من ذلك وهو أنكم شبهتموه بالعدم، لأن الذي لا يُرى هو العدم، والعدم هو أقل شأنًا من الموجودات، فالموجودات أكمل من العدم، فإنهم ما فروا من باطل ألا ووقعوا في باطل أعظم منه وهلم جرًا.