ولا يوجد ثمة ريب في أن القتل كان في نظر الحاكم خطة مقررة ، ولم تكن فورة أهواء فقط ، وقد لزم الحاكم هذه الخطة طوال حياته ، وفي هذا المعنى يقول الكوثري: ( من علم أن مدة الحاكم هذا من سنة 386 هـ إلى سنة 411 هـ ، يرى الاعتذار عنه بأنه كان مجنونًا كلاما لا يلتفت إليه ، لأن من المحال في جاري العادة أن يستبقي حاكم وهو مجنون مدة خمس وعشرين سنة ) (1) .
وينقل الأستاذ محمد عبد الله عنان عن المستشرق ميللر في الحاكم ما يلي:
( وليس لدينا إلا أن نعتقد أنه إما باطني متعصب ، توهم في نفسه الإِغراق والألوهية ، وإما أمير ذكي بارع في تاريخ أسرته ومذهبها . اعتقد أنه يستطيع أن يسمو فوق البشر وأن يحتقرهم ويصنفهم كالشمع طوع إرادته ، وربما كان يجمع في طبيعته المتناقضة بين شيء من هذا وشيء من ذاك ) (2) .
ولقد كانت معاملة الذميين من أهم ظواهر عصر الحاكم بأمر الله ، وكانت بلا ريب سياسة مقررة ، ولم تحمل في مجموعها طابع التناقض .
ففي سنة 395 هـ أصدر الحاكم أمره للنصارى واليهود بلبس الغيار ، وشد الزنار ، ولبس العمائم السود . وفي سنة 399 هـ أمر بهدم كنائس القاهرة ونهب ما فيها ، وصدر مرسوم خاص بهدم كنيسة القيامة في بيت المقدس . وفي العام التالي صدر مرسوم جديد بالتشديد على اليهود والنصارى في لبس الغيار وتقليد الزنار ، وألغيت الأعياد النصرانية كعيد الصليب والغطاس ، وعيد الشهيد (3) .
(1) 131) محمد زاهد الكوثري / من عبر التاريخ ص 9 .
(2) 132) محمد عبد الله عنان / الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية ص 96 .
(3) 133) الذي ألغاه الحاكم هو السماح لهم بجعل هذه الأعياد الخاصة بهم ، أعيادا شعبية يظهرون فيها التحدي للشعور الإسلامي العام من إظهار وشرب للخمر ورفع للصلبان ... إلخ ، والتي كان يسمح بها الحاكم ومن سبقه في الدولة العبيدية.