وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عن حُمَيْدِ بْنِ أَبِى حُمَيْدٍ الطَّوِيلُ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رضى الله عنه - يَقُولُ:جَاءَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ . قَالَ أَحَدُهُمْ:أَمَّا أَنَا فَإِنِّى أُصَلِّى اللَّيْلَ أَبَدًا . وَقَالَ آخَرُ:أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلاَ أُفْطِرُ . وَقَالَ آخَرُ:أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلاَ أَتَزَوَّجُ أَبَدًا . فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: « أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّى لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ ، لَكِنِّى أَصُومُ وَأُفْطِرُ ، وَأُصَلِّى وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِى فَلَيْسَ مِنِّى » (1)
(1) - صحيح البخارى (5063) ومسلم (3470 )
وفي فتح الباري لابن حجر - (ج 14 / ص 290)
قَوْله ( كَأَنَّهُمْ تَقَالّوهَا ) بِتَشْدِيدِ اللَّام الْمَضْمُومَة أَيْ اِسْتَقَلُّوهَا ، وَأَصْل تَقَالّوهَا تَقَالَلُوهَا أَيْ رَأَى كُلّ مِنْهُمْ أَنَّهَا قَلِيلَة .
قَوْله ( فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَدْ غَفَرَ اللَّه لَهُ ) فِي رِوَايَة الْحَمَوِيِّ وَالْكُشْمِيهَنِيّ"قَدْ غُفِرَ لَهُ"بِضَمِّ أَوَّله . وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْلَم بِحُصُولِ ذَلِكَ لَهُ يُحْتَاج إِلَى الْمُبَالَغَة فِي الْعِبَادَة عَسَى أَنْ يَحْصُل ، بِخِلَافِ مَنْ حَصَلَ لَهُ ، لَكِنْ قَدْ بَيَّنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِلَازِمٍ ، فَأَشَارَ إِلَى هَذَا بِأَنَّهُ أَشَدّهمْ خَشْيَة وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِمَقَامِ الْعُبُودِيَّة فِي جَانِب الرُّبُوبِيَّة ، وَأَشَارَ فِي حَدِيث عَائِشَة وَالْمُغِيرَة - كَمَا تَقَدَّمَ فِي صَلَاة اللَّيْل - إِلَى مَعْنًى آخَر بِقَوْلِهِ"أَفَلَا أَكُون عَبْدًا شَكُورًا".
قَوْله ( فَقَالَ أَحَدهمْ أَمَّا أَنَا فَأَنَا أُصَلِّي اللَّيْل أَبَدًا )
هُوَ قَيْد لِلَّيْلِ لَا لِأُصَلِّيَ ، وَقَوْله"فَلَا أَتَزَوَّج أَبَدًا"أَكَّدَ الْمُصَلِّي وَمُعْتَزِل النِّسَاء بِالتَّأْبِيدِ وَلَمْ يُؤَكِّد الصِّيَام لِأَنَّهُ لَا بُدّ لَهُ مِنْ فِطْر اللَّيَالِي وَكَذَا أَيَّام الْعِيد ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم"فَقَالَ بَعْضهمْ لَا أَتَزَوَّج النِّسَاء ، وَقَالَ بَعْضهمْ لَا آكُل اللَّحْم ، وَقَالَ بَعْضهمْ لَا أَنَام عَلَى الْفِرَاش ، وَظَاهِره مِمَّا يُؤَكِّد زِيَادَة عَدَد الْقَائِلِينَ . لِأَنَّ تَرْكَ أَكْل اللَّحْم أَخَصّ مِنْ مُدَاوَمَة الصِّيَام ، وَاسْتِغْرَاق اللَّيْل بِالصَّلَاةِ أَخَصّ مِنْ تَرْكِ النَّوْم عَلَى الْفِرَاش . وَيُمْكِن التَّوْفِيق بِضُرُوبٍ مِنْ التَّجَوُّز ."
قَوْله ( فَجَاءَ إِلَيْهِمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ )
فِي رِوَايَة مُسْلِم فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ مَا بَال أَقْوَام قَالُوا كَذَا ؟ وَيُجْمَع بِأَنَّهُ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ عُمُومًا جَهْرًا مَعَ عَدَم تَعْيِينهمْ وَخُصُوصًا فِيمَا بَيْنه وَبَيْنهمْ رِفْقًا بِهِمْ وَسَتْرًا لَهُمْ .
قَوْله ( أَمَا وَاللَّه ) بِتَخْفِيفِ الْمِيم حَرْف تَنْبِيه بِخِلَافِ قَوْله فِي أَوَّل الْخَبَر أَمَّا أَنَا فَإِنَّهَا بِتَشْدِيدِ الْمِيم لِلتَّقْسِيمِ .
قَوْله ( إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ ) فِيهِ إِشَارَة إِلَى رَدّ مَا بَنَوْا عَلَيْهِ أَمْرَهُمْ مِنْ أَنَّ الْمَغْفُور لَهُ لَا يَحْتَاج إِلَى مَزِيد فِي الْعِبَادَة بِخِلَافِ غَيْره ، فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ مَعَ كَوْنه يُبَالِغ فِي التَّشْدِيد فِي الْعِبَادَة أَخْشَى لِلَّهِ وَأَتْقَى مِنْ الَّذِينَ يُشَدِّدُونَ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُشَدِّد لَا يَأْمَن مِنْ الْمَلَل بِخِلَافِ الْمُقْتَصِد فَأَنَّهُ أَمْكَنَ لِاسْتِمْرَارِهِ وَخَيْر الْعَمَل مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبه ، وَقَدْ أَرْشَد إِلَى ذَلِكَ فِي قَوْله فِي الْحَدِيث الْآخَر"الْمُنْبَتّ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى"وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي كِتَاب الرِّقَاق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى ، وَتَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْعِلْم شَيْء مِنْهُ .
قَوْله ( لَكِنِّي ) اِسْتِدْرَاك مِنْ شَيْء مَحْذُوف دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاق أَيْ أَنَا وَأَنْتُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَيَّ الْعُبُودِيَّة سَوَاء ، لَكِنْ أَنَا أَعْمَل كَذَا .
قَوْله ( فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ) الْمُرَاد بِالسُّنَّةِ الطَّرِيقَة لَا الَّتِي تُقَابِل الْفَرْض ، وَالرَّغْبَة عَنْ الشَّيْء الْإِعْرَاض عَنْهُ إِلَى غَيْره ، وَالْمُرَاد مَنْ تَرَكَ طَرِيقَتِي وَأَخَذَ بِطَرِيقَةِ غَيْرِي فَلَيْسَ مِنِّي ، وَلَمَّحَ بِذَلِكَ إِلَى طَرِيق الرَّهْبَانِيَّة فَإِنَّهُمْ الَّذِينَ اِبْتَدَعُوا التَّشْدِيد كَمَا وَصَفَهُمْ اللَّه تَعَالَى وَقَدْ عَابَهُمْ بِأَنَّهُمْ مَا وَفُّوهُ بِمَا اِلْتَزَمُوهُ ، وَطَرِيقَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَنِيفِيَّة السَّمْحَة فَيُفْطِر لِيَتَقَوَّى عَلَى الصَّوْم وَيَنَام لِيَتَقَوَّى عَلَى الْقِيَام وَيَتَزَوَّج لِكَسْرِ الشَّهْوَة وَإِعْفَاف النَّفْس وَتَكْثِير النَّسْل . وَقَوْله فَلَيْسَ مِنِّي إِنْ كَانَتْ الرَّغْبَة بِضَرْبٍ مِنْ التَّأْوِيل يُعْذَر صَاحِبه فِيهِ فَمَعْنَى"فَلَيْسَ مِنِّي"أَيْ عَلَى طَرِيقَتِي وَلَا يَلْزَم أَنْ يَخْرُج عَنْ الْمِلَّة وَإِنْ كَانَ إِعْرَاضًا وَتَنَطُّعًا يُفْضِي إِلَى اِعْتِقَاد أَرْجَحِيَّة عَمَله فَمَعْنَى فَلَيْسَ مِنِّي لَيْسَ عَلَى مِلَّتِي لِأَنَّ اِعْتِقَاد ذَلِكَ نَوْع مِنْ الْكُفْر . وَفِي الْحَدِيث دَلَالَة عَلَى فَضْلِ النِّكَاح وَالتَّرْغِيب فِيهِ ، وَفِيهِ تَتَبُّع أَحُول الْأَكَابِر لِلتَّأَسِّي بِأَفْعَالِهِمْ وَأَنَّهُ إِذَا تَعَذَّرَتْ مَعْرِفَته مِنْ الرِّجَال جَازَ اِسْتِكْشَافه مِنْ النِّسَاء ، وَأَنَّ مَنْ عَزَمَ عَلَى عَمَل بِرّ وَاحْتَاجَ إِلَى إِظْهَاره حَيْثُ يَأْمَن الرِّيَاء لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَمْنُوعًا . وَفِيهِ تَقْدِيم الْحَمْد وَالثَّنَاء عَلَى اللَّه عِنْد إِلْقَاء مَسَائِل الْعِلْم وَبَيَان الْأَحْكَام لِلْمُكَلَّفِينَ وَإِزَالَة الشُّبْهَة عَنْ الْمُجْتَهِدِينَ ، وَأَنَّ الْمُبَاحَات قَدْ تَنْقَلِب بِالْقَصْدِ إِلَى الْكَرَاهَة وَالِاسْتِحْبَاب . وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: فِيهِ الرَّدّ عَلَى مَنْ مَنَعَ اِسْتِعْمَال الْحَلَال مِنْ الْأَطْعِمَة وَالْمَلَابِس وَآثَرَ غَلِيظ الثِّيَاب وَخَشِن الْمَأْكَل . قَالَ عِيَاض هَذَا مِمَّا اِخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَف فَمِنْهُمْ مَنْ نَحَا إِلَى مَا قَالَ الطَّبَرِيُّ وَمِنْهُمْ مَنْ عَكَسَ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتكُمْ فِي حَيَاتكُمْ الدُّنْيَا ) قَالَ وَالْحَقّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة فِي الْكُفَّار وَقَدْ أَخَذَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْأَمْرَيْنِ . قُلْت: لَا يَدُلّ ذَلِكَ لِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ إِنْ كَانَ الْمُرَاد الْمُدَاوَمَة عَلَى إِحْدَى الصِّفَتَيْنِ ، وَالْحَقّ أَنَّ مُلَازَمَة اِسْتِعْمَال الطَّيِّبَات تُفْضِي إِلَى التَّرَفُّه وَالْبَطَر وَلَا يَأْمَن مِنْ الْوُقُوع فِي الشُّبُهَات لِأَنَّ مَنْ اِعْتَادَ ذَلِكَ قَدْ لَا يَجِدهُ أَحْيَانًا فَلَا يَسْتَطِيع الِانْتِقَال عَنْهُ فَيَقَع فِي الْمَحْظُور كَمَا أَنَّ مَنْعَ تَنَاوُل ذَلِكَ أَحْيَانًا يُفْضِي إِلَى التَّنَطُّع الْمَنْهِيّ عَنْهُ وَيَرُدّ عَلَيْهِ صَرِيح قَوْله تَعَالَى ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ ) كَمَا أَنَّ الْأَخْذ بِالتَّشْدِيدِ فِي الْعِبَادَة يُفْضِي إِلَى الْمَلَل الْقَاطِع لِأَصْلِهَا وَمُلَازَمَة الِاقْتِصَار عَلَى الْفَرَائِض مَثَلًا وَتَرْك التَّنَفُّل يُفْضِي إِلَى إِيثَار الْبَطَالَة وَعَدَم النَّشَاط إِلَى الْعِبَادَة وَخَيْر الْأُمُور الْوَسَط ، وَفِي قَوْله إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ مَعَ مَا اِنْضَمَّ إِلَيْهِ إِشَارَة إِلَى ذَلِكَ ، وَفِيهِ أَيْضًا إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْعِلْم بِاللَّهِ وَمَعْرِفَة مَا يَجِب مِنْ حَقّه أَعْظَم قَدْرًا مِنْ مُجَرَّد الْعِبَادَة الْبَدَنِيَّة ، وَاللَّهُ أَعْلَم .