وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو: « اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى خَطِيئَتِى وَجَهْلِى وَإِسْرَافِى فِى أَمْرِى ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّى ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى هَزْلِى وَجِدِّى وَخَطَاىَ وَعَمْدِى ، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِى » (1) .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رضى الله عنه - . أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: عَلِّمْنِى دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِى صَلاَتِى . قَالَ: « قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى ظُلْمًا كَثِيرًا وَلاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ ، فَاغْفِرْ لِى مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ ، وَارْحَمْنِى إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ » (2) .
وَفِي السُّنَنِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رضى الله عنه قَالَ:يَا رَسُولَ اللَّهِ مُرْنِى بِكَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ إِذَا أَصْبَحْتُ وَإِذَا أَمْسَيْتُ. قَالَ: « قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ رَبَّ كُلِّ شَىْءٍ وَمَلِيكَهُ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِى وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ » . قَالَ « قُلْهَا إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ » (3) .
(1) - صحيح البخارى (6399 ) ومسلم (7076 )
وفي شرح النووي على مسلم - (ج 9 / ص 84)
أَيْ: أَنَا مُتَّصِف بِهَذِهِ الْأَشْيَاء ، اِغْفِرْهَا لِي ، قِيلَ: قَالَهُ تَوَاضُعًا وَعَدَّ عَلَى نَفْسه فَوَات الْكَمَال ذُنُوبًا ، وَقِيلَ: أَرَادَ مَا كَانَ عَنْ سَهْو وَقِيلَ: مَا كَانَ قَبْل النُّبُوَّة ، وَعَلَى كُلّ حَال فَهُوَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَغْفُور لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه وَمَا تَأَخَّرَ ، فَدَعَا بِهَذَا وَغَيْره تَوَاضُعًا ، لِأَنَّ الدُّعَاء عِبَادَة ، قَالَ أَهْل اللُّغَة: الْإِسْرَاف مُجَاوَزَة الْحَدّ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَنْتَ الْمُقَدِّم وَأَنْتَ الْمُؤَخِّر ) يُقَدِّم مَنْ يَشَاء مِنْ خَلْقه إِلَى رَحْمَته بِتَوْفِيقِهِ ، وَيُؤَخِّر مَنْ يَشَاء عَنْ ذَلِكَ لِخِذْلَانِهِ .
(2) - صحيح البخارى (834 ) ومسلم (7044 )
وفي فتح الباري لابن حجر - (ج 18 / ص 93)
قَالَ الطَّبَرِيُّ: فِي حَدِيث أَبِي بَكْر دَلَالَة عَلَى رَدّ قَوْل مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقّ اِسْم الْإِيمَان إِلَّا مَنْ لَا خَطِيئَة لَهُ وَلَا ذَنْب ؛ لِأَنَّ الصِّدِّيق مِنْ أَكْبَر أَهْل الْإِيمَان . وَقَدْ عَلَّمَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُول"إِنِّي ظَلَمْت نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِر الذُّنُوب إِلَّا أَنْتَ". وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: هَذَا الدُّعَاء مِنْ الْجَوَامِع ؛ لِأَنَّ فِيهِ الِاعْتِرَاف بِغَايَةِ التَّقْصِير وَطَلَب غَايَة الْإِنْعَام ، فَالْمَغْفِرَة سَتْر الذُّنُوب وَمَحَوْهَا ، وَالرَّحْمَة إِيصَال الْخَيْرَات ، فَفِي الْأَوَّل طَلَب الزَّحْزَحَة عَنْ النَّار وَفِي الثَّانِي طَلَب إِدْخَال الْجَنَّة وَهَذَا هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم . وَقَالَ اِبْن أَبِي حَمْزَة مَا مُلَخَّصه: فِي الْحَدِيث مَشْرُوعِيَّة الدُّعَاء فِي الصَّلَاة ، وَفَضْل الدُّعَاء الْمَذْكُور عَلَى غَيْره ، وَطَلَب التَّعْلِيم مِنْ الْأَعْلَى وَإِنْ كَانَ الطَّالِب يَعْرِف ذَلِكَ النَّوْع ، وَخَصَّ الدُّعَاء بِالصَّلَاةِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"أَقْرَب مَا يَكُون الْعَبْد مِنْ رَبّه وَهُوَ سَاجِد"وَفِيهِ أَنَّ الْمَرْء يَنْظُر فِي عِبَادَته إِلَى الْأَرْفَع فَيَتَسَبَّب فِي تَحْصِيله . وَفِي تَعْلِيم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْر هَذَا الدُّعَاء إِشَارَة إِلَى إِيثَار أَمْر الْآخِرَة عَلَى أَمْر الدُّنْيَا ، وَلَعَلَّهُ فَهِمَ ذَلِكَ مِنْ حَال أَبِي بَكْر وَإِيثَاره أَمْر الْآخِرَة قَالَ: وَفِي قَوْله"ظَلَمْت نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِر الذُّنُوب إِلَّا أَنْتَ"أَيْ لَيْسَ لِي حِيلَة فِي دَفْعه فَهِيَ حَالَة اِفْتِقَار ، فَأَشْبَهَ حَال الْمُضْطَرّ الْمَوْعُود بِالْإِجَابَةِ ، وَفِيهِ هَضْم النَّفْس وَالِاعْتِرَاف بِالتَّقْصِيرِ ، وَتَقَدَّمَتْ بَقِيَّة فَوَائِده هُنَاكَ .
(3) - سنن أبى داود (5069 ) والترمذي (3873 ) وهو صحيح
وفي التيسير بشرح الجامع الصغير ـ للمناوى - (ج 2 / ص 387)
تضمن الاستعاذة من الشر وأسبابه وغايته فإن الشر كله إما يصدر من النفس أو من الشيطان وغايته اما أن يعود على العامل أو أخيه المسلم فتضمن الحديث مصدري الشر الذي يصدر عنهما وغايته