فهرس الكتاب

الصفحة 252 من 322

فَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَظُنَّ اسْتِغْنَاءَهُ عَنِ التَّوْبَةِ إلَى اللَّهِ وَالِاسْتِغْفَارِ مِنْ الذُّنُوبِ ؛ بَلْ كُلُّ أَحَدٍ مُحْتَاجٌ إلَى ذَلِكَ دَائِمًا . قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (73) } (1) [الأحزاب/72، 73] ، فَالْإِنْسَانُ ظَالِمٌ جَاهِلٌ، وَغَايَةُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ التَّوْبَةُ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ بِتَوْبَةِ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ وَمَغْفِرَتِهِ لَهُمْ . وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى أَبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: « لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ » . قَالُوا:وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: « لاَ ، وَلاَ أَنَا إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِى اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَلاَ يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا ، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ » (2)

(1) - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الأَمَانَةُ هُنَا تَعْنِي الطَّاعَةَ ، وَقَالَ أَيْضًا: إِنَّها الفَرَائِضُ .

يَقُولُ تَعَالى: إِنَّهُ عَرَضَ التَّكَاليفَ عَلَى السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ وَالجِبَالِ ، فَلَمْ يُطِقْنَ حَمْلَها ، وأَشْفَقَتْ مِنْها مَخَافَةَ التَّقْصِيرِ فِي أَمرٍ أَرَادَهُ اللهُ ، ثُمَّ عَرَضَهَا عَلَى آدَمَ وَقَالَ لَهُ: إِنَّنِي قَدْ عَرَضْتُ الأَمَانَةُ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالجِبالِ فَلَم يُطِقْنَها ، فَهَلْ أَنْتَ آخذٌ بِمَا فِيها؟

قَال: يَا رَبِّ وَمَا فِيها؟ قَالَ: إِنْ أَحْسَنْتَ جُزِيْتَ ، وَإِنَّ أَسَأْتَ عُوقِبْتَ .

فَقَبلَ آدمُ حَمْلَها بِمَا فِيها . وَهكَذَا حَمَلَ الإِنسَانُ الأَمَانَةَ عَلَى ضَعْفِهِ ، وَكَانَ جَاهِلًا بِثِقَلِها ، ظَلُومًا نَفْسَهُ بِحَمْلِها ، إِلاَّ مَنْ عَصَمَ اللهُ .

وَقَدْ حَمَّلَ اللهُ الإِنسَانَ الأَمَانةَ ( وَهِيَ التَّكَالِيفُ ) لِتَكُونَ نَتيجَةُ ذلِكَ أَنْ يُعَذِّبَ مَنْ خَانَها ، وَقَصَّرَ فِي حَمْلِها وَأَدَائِهَا ، مِنْ المُنَافِقينَ وَالمُنَافِقَاتِ الذِينَ يُبْطِنُونَ الكُفْرَ والشِّرْكَ ، وَيُظْهِرُونَ الإِيمَانَ خَوْفًا وَتَحَسُّبًا ، ومنَ الكَافِرِينَ الجَاحِدِينَ بِوُجُودِ اللهِ وَوحْدَانِيَّتِهِ ، وَلِيَقْبَلَ تَوْبَةَ المُؤْمِنينَ وَالمُؤمِناتِ إِذا رَجَعُوا إِليهِ تَائِبينَ مُنِيبِينَ ، لِتَلافِيهِمْ مَا فَرطَ مِنْهُمْ عَنْ جَهْلٍ وَعَدَمِ تَبَصُّرٍ ، وَتَدَارُكِهِمْ ذَلِكَ بالتَّوْبَةِ .

واللهُ تَعَالى غَفَّارٌ لِلذُّنُوبِ ، سَتَّارٌ لِلْعُيوبِ ، كَثيرُ الرَّحْمَةِ لِلْعِبَادِ التَّائِبِينَ إِليْهِ .

(2) - صحيح البخارى (5673 ) ومسلم (7292 )

وفي شرح النووي على مسلم - (ج 9 / ص 197)

اِعْلَمْ أَنَّ مَذْهَب أَهْل السُّنَّة: أَنَّهُ لَا يَثْبُت بِالْعَقْلِ ثَوَاب وَلَا عِقَاب وَلَا إِيجَاب وَلَا تَحْرِيم وَلَا غَيْرهمَا مِنْ أَنْوَاع التَّكْلِيف ، وَلَا تَثْبُت هَذِهِ كُلّهَا وَلَا غَيْرهَا إِلَّا بِالشَّرْعِ ، وَمَذْهَب أَهْل السُّنَّة أَيْضًا: أَنَّ اللَّه تَعَالَى لَا يَجِب عَلَيْهِ شَيْء تَعَالَى اللَّه ، بَلْ الْعَالَم مُلْكه ، وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَة فِي سُلْطَانه ، يَفْعَل فِيهِمَا مَا يَشَاء ، فَلَوْ عَذَّبَ الْمُطِيعِينَ ، وَالصَّالِحِينَ أَجْمَعِينَ ، وَأَدْخَلَهُمْ النَّار كَانَ عَدْلًا مِنْهُ وَإِذَا أَكْرَمَهُمْ وَنَعَّمَهُمْ وَأَدْخَلَهُمْ الْجَنَّة فَهُوَ فَضْل مِنْهُ ، وَلَوْ نَعَّمَ الْكَافِرِينَ وَأَدْخَلَهُمْ الْجَنَّة كَانَ لَهُ ذَلِكَ ، وَلَكِنَّهُ أَخْبَرَ وَخَبَره صِدْق ، أَنَّهُ لَا يَفْعَل هَذَا ، بَلْ يَغْفِر لِلْمُؤْمِنِينَ وَيُدْخِلهُمْ الْجَنَّة بِرَحْمَتِهِ ، وَيُعَذِّب الْمُنَافِقِينَ وَيُخَلِّدهُمْ فِي النَّار عَدْلًا مِنْهُ .

وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَة فَيُثْبِتُونَ الْأَحْكَام بِالْعَقْلِ ، وَيُوجِبُونَ ثَوَاب الْأَعْمَال ، وَيُوجِبُونَ الْأَصْلَح ، وَيَمْنَعُونَ خِلَاف هَذَا فِي خَبْط طَوِيل لَهُمْ ، تَعَالَى اللَّه عَنْ اِخْتِرَاعَاتهمْ الْبَاطِلَة الْمُنَابِذَة لِنُصُوصِ الشَّرْع . وَفِي ظَاهِر هَذِهِ الْأَحَادِيث: دَلَالَة لِأَهْلِ الْحَقّ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقّ أَحَد الثَّوَاب وَالْجَنَّة بِطَاعَتِهِ ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: { اُدْخُلُوا الْجَنَّة بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } { وَتِلْك الْجَنَّة الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } وَنَحْوهمَا مِنْ الْآيَات الدَّالَّة عَلَى أَنَّ الْأَعْمَال يُدْخَل بِهَا الْجَنَّة ، فَلَا يُعَارِض هَذِهِ الْأَحَادِيث ، بَلْ مَعْنَى الْآيَات: أَنَّ دُخُول الْجَنَّة بِسَبَبِ الْأَعْمَال ، ثُمَّ التَّوْفِيق لِلْأَعْمَالِ وَالْهِدَايَة لِلْإِخْلَاصِ فِيهَا ، وَقَبُولهَا بِرَحْمَةِ اللَّه تَعَالَى وَفَضْله ، فَيَصِحّ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُل بِمُجَرَّدِ الْعَمَل . وَهُوَ مُرَاد الْأَحَادِيث ، وَيَصِحّ أَنَّهُ دَخَلَ بِالْأَعْمَالِ أَيْ بِسَبَبِهَا ، وَهِيَ مِنْ الرَّحْمَة . وَاَللَّه أَعْلَم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت