وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَبْعُوثٌ إلَى الثَّقَلَيْنِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ اسْتَمَعَتِ الْجِنُّ الْقُرْآنَ وَوَلَّوْا إلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ لَمَّا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ بِبَطْنِ نَخْلَةٍ لَمَّا رَجَعَ مِنْ الطَّائِفِ، وَأَخْبَرَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ: { وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (32) (1) } [الأحقاف/29-32] .
وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ: { قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (3) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (4) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (5) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6) } (2)
(1) - يَقُصُّ اللهُ تَعَالى عَلى رَسُولِهِ الكَرِيمِ قِصَّةَ نَفْرٍ مِنَ الجِنِّ وَجَّهَهُمُ اللهُ تَعَلى إِلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَقرَأُ القُرآنَ ، فَاسْتَمَعُوا إِليهِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَنصِتُوا واستَمِعُوا لهذا القُرآنِ .
فَلَمَّا فَرَغَ الرَّسُولُ مِنْ تِلاَوتِهِ انْصَرَفُوا إِلى جَمَاعَتِهم يُخْبرِونَهم بما سَمِعُوا ، وَيُحَذِّرُونَهم مِنَ الكُفْرِ ، وَيَدْعُونَهم إِلى الإِيمانِ بِاللهِ ، وَبِما أَنْزَلَ عَلَى رُسُلهِ .
وَقَالَ النَّفَرُ مِنَ الجِنِّ ، الذِينَ اسْتَمَعُوا إِلى تَلاوَة الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم القُرآنَ لِقَومِهِمْ: يَا قُومَنَا إِنَّنا سَمِعْنَا كِتابًا أَنزَلَهُ اللهُ بَعْدَ التَّوراةِ ، الذِي أَنزَلَه عَلَى مُوسى ، يُصَدِّقُ مَا أَنْزَلَه اللهُ قَبلَه مِنَ الكُتُبِ عَلَى رُسُلِه ، وَيُرْشِدُ إِلى سَبيلِ الحَقِّ والهُدى ، وَإِلى الطَّريقِ القَوِيمِ الذِي يُوصِلُ إِلى رِضْوانِ اللهِ وَجَنَّتِه .
( وَقَدْ خَصَّ اللهُ التَّوْرَاةَ بالذِّكْرِ لأَنَّهُ الكِتَابُ الإِمامُ لِبَنِي إِسْرائِيلَ ، وَلأَنَّ الإِنْجِيلَ مُتَمَّمٌ لِشَرِيعَةِ التَّورَاةِ ) .
وَتَابَعَ النَّفْرُ مِنَ الجِنِّ نُصْحَهُمْ لِقَومِهِمْ فَقَالُوا: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا رَسُولَ اللهِ مُحَمَّدًا الذِي يَدْعُوكُم إِلى الإِيمَانِ بِرَبِّكُمْ ، والإِخْلاَصِ في طَاعَتِهِ ، وَصَدِّقُوه فِيما جَاءَ بِهِ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ ، يَغْفِرْ لَكُمْ رَبًُّكُمْ مَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيَقِكُمْ مِنْ عَذَابِهِ الأَلِيمِ .
وَمَنْ لَمْ يَسْتَجِبْ إِلى مَا يَدْعُو إِليهِ رَسُولُ اللهِ مِنَ الإِيمَانِ باللهِ وَحْدَه لا شرِيكَ لَهُ ، وَالإِخلاصِ في العَمَلِ ، فَإِنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ الإِفلاتَ مِنْ عِقَابِ رَبِّهِ إِذا أَرَادَ عُقُوبَتَهُ ، وَلاَ يَجدُ لهُ مَنْ يَنْصُرُهُ مِنْ بَأسِ اللهِ ، وَلاَ مَنْ يَدْفَعُ عَنْهُ سُوءَ العَذَابِ .
والذِينَ لا يَسْتَجِيبُونَ للهِ وَللرَّسُولِ يَكُونُونَ في ضَلالٍ وَاضِحٍ بَيِّنٍ ، وَيَسْتَحِقُّونَ العِقَابَ الشَّديدَ مِنَ اللهِ تَعَالى .
(2) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ: إِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الجِنِّ اسْتَمَعُوا إِلَى القُرْآنِ فآمَنُوا بِهِ ، وَصَدَّقُوهُ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّنَا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا بَدِيعًا .
( أَكْثرُ المُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللهَ صلى الله عليه وسلم عَلِمَ بِاسْتِمَاعِ الجِنِّ إِلَيْهِ ، وَهُوَ يَقْرَأُ القُرْآنَ ، مِنَ الوَحْيِ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَرَهُمْ ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِوُجُودِهِمْ قُرْبَهُ ) .
عَجَبًا - بَدِيعًا فِي بَلاَغَتِهِ وَفَصَاحَتِهِ .
وَهَذَا القُرْآنُ يَهْدِي إِلَى الحَقِّ ، وَإِلَى طَرِيقِ الهُدَى والرَّشَادِ ، فَصَدَّقْنَا بِهِ ، وَلَنْ نَعُودَ إِلَى مَا كُنّا عَلَيْهِ مِنَ الإِشْرَاكِ بِعِبَادَةِ رَبِّنَا أَحَدًا .
وَنَزَّهُوا رَبَّهُمُ العَظِيمَ عَنِ الزَّوْجَةِ والصَّاحِبَةِ وَالوَلَدِ ، لأَنَّ الصَّاحِبَةَ تُتَخَذُ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهَا ، وَلأَنَّهَا مِنْ جِنْسِ الزَّوْجِ ، وَالوَلَدُ يُتَّخَذُ لِلاسْتِئْنَاسِ بِهِ ، وَلِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ فِي الكِبَرِ وَفِي الشَّدَّةِ ، وَلِبَقَاءِ الذِّكْرِ . وَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ ، فَهُوَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، وَهُوَ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى نَصِيرٍ وَلاَ إِلَى مُعِينٍ ، وَهُوَ بَاقٍ دَائِمٌ أَبَدًا .
وَأَنَّ الجُهَّالَ مِنَ الجِنِّ كَانُوا يَقُولُونَ قَوْلًا بَعِيدًا عَنِ الحَقِّ وَالصَّوَابِ ، بِنِسْبَةِ الصَّاحِبَةِ وَالوَلَدِ إِلَيْهِ تَعَالَى .
سَفِيهُنا - قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ إِنَّ الَّذِي عَنَاهُ الجِنُّ بِقْولِهِمْ ( سَفِيهُنَا ) هُوَ إِبْلِيسُ .
وَأَنَّنَا كُنَّا نَظُنُّ أَنَّهُ لَنْ يَكْذِبَ أَحَدٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى مِنَ الإِنْسِ وَالجِنَّ فَيَنْسبَ إِلَيْهِ تَعَالَى الصَّاحِبَةَ وَالوَلَدَ ، وَمِنْ ثَمَّ اعْتَقَدْنَا صِحَّةَ قَوْلِ السَّفِيهِ ، فَلَمَّا سَمِعْنَا القُرْآنَ عَلَى اللهِ فِي ذَلِكَ .
وَأَنَّ رِجَالًا مِنَ الإِنْسِ كَانُوا يَسْتَعِيذُونَ ، وَهُمْ فِي القِفَارِ ، بِرِجَالٍ مِنَ الجِنِّ ، فَزَادُوا الجِنَّ بِذَلِكَ طُغْيَانًا وَغَيًّا ، بِأَنْ أَضَلُّوهُمْ حَتَّى اسْتَعَاذُوا بِهِمْ .
( كَانَ مِنْ عَادَةِ العَرَبِ فِي الجَاهِلِيَّةِ إِذَا نَزَلُو بِمَكَانٍ فِي القَفْرِ يَسْتَعيِذُونَ بَعِظِيمِ ذَلِكَ المَكَانِ مِنَ الجِنِّ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِمَا يَسُوؤُهُمْ ، فَلَمَّا رَأَتِ الجِنُّ أَنَّ الإِنْسَ يَسْتَعِيذُونَ بِهِم مِنْ خَوْفِهِم مِنْهُمْ ، ازْدَادَتِ الجِنُّ طُغْيَانًا وَسَفَهًا - وَأَصْبَحَتِ الجِنُّ أَكْثَرَ جُرْأَةً عَلَى الإِنْسِ ) .