فهرس الكتاب

الصفحة 318 من 322

[الجن/1-7] ، أَيْ السَّفِيهُ مِنَّا فِي أَظْهَرْ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ . وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ: كَانَ الرَّجُلُ مِنْ الْإِنْسِ إذَا نَزَلَ بِالْوَادِي قَالَ: أَعُوذُ بِعَظِيمِ هَذَا الْوَادِي مِنْ شَرِّ سُفَهَاءِ قَوْمِهِ فَلَمَّا اسْتَغَاثَتِ الْإِنْسُ بِالْجِنِّ ازْدَادَتْ الْجِنُّ طُغْيَانًا وَكُفْرًا (1) ،كَمَا قَالَ تَعَالَى: { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (7) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (9 ) } (2) [الجن/6-9] ، وَكَانَتْ الشَّيَاطِينُ تُرَْْمَى بِالشُّهُبِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ الْقُرْآنُ ؛ لَكِنْ كَانُوا أَحْيَانًا يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ الشِّهَابُ إلَى أَحَدِهِمْ، فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُلِئَتِ السَّمَاءُ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا، وَصَارَتْ الشُّهُبُ مُرْصَدَةً لَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعُوا، كَمَا قَالُوا: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا} (9) سورة الجن، وَقَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (212) (3)

(1) - انظر المستدرك للحاكم (6607)

(2) - وَأَنَّ رِجَالًا مِنَ الإِنْسِ كَانُوا يَسْتَعِيذُونَ ، وَهُمْ فِي القِفَارِ ، بِرِجَالٍ مِنَ الجِنِّ ، فَزَادُوا الجِنَّ بِذَلِكَ طُغْيَانًا وَغَيًّا ، بِأَنْ أَضَلُّوهُمْ حَتَّى اسْتَعَاذُوا بِهِمْ .

( كَانَ مِنْ عَادَةِ العَرَبِ فِي الجَاهِلِيَّةِ إِذَا نَزَلُو بِمَكَانٍ فِي القَفْرِ يَسْتَعيِذُونَ بَعِظِيمِ ذَلِكَ المَكَانِ مِنَ الجِنِّ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِمَا يَسُوؤُهُمْ ، فَلَمَّا رَأَتِ الجِنُّ أَنَّ الإِنْسَ يَسْتَعِيذُونَ بِهِم مِنْ خَوْفِهِم مِنْهُمْ ، ازْدَادَتِ الجِنُّ طُغْيَانًا وَسَفَهًا - وَأَصْبَحَتِ الجِنُّ أَكْثَرَ جُرْأَةً عَلَى الإِنْسِ ) .

وَأَنَّ الجِنَّ ظَنُّوا ، كَمَا ظَنَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ الإِنْسِ ، أَنَّ اللهَ لَنْ يَبْعَثَ رَسُولًا مِنَ البَشَرِ إِلَى خَلْقِهِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الإِيْمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، وَإِلَى الإِيْمَانِ بِالرُّسُلِ ، وَاليَوْمِ الآخِرِ .

( أَوْ أَنَّ اللهَ لَنْ يَبْعَثَ أَحَدًا مِنْ قَبْرِهِ فِي الآخِرَةِ لِيُحَاسِبَهُ عَلَى أَعْمَالِهِ ) .

يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ حِينَ بَعَثَ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم رَسُولًا ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنَ ، حَفِظَ اللهُ القُرْآنَ مِنَ الجِنِّ إِذْ مُلِئَتِ السَّمَاءُ حَرَسًا شَدِيدًا ، وَحُفِظَتْ مِنْ جَمِيعِ أَرْجَائِهَا ، وَطُرِدَتِ الشَّيَاطِينُ مِنْ مَقَاعِدِهَا لِئَلاَّ يَسْتَرِقُوا سَمْعَ شَيءٍ مِنَ القُرْآنِ ، فَأَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ الجِنَّ قَالُوا: لَقَدْ طَلَبنَا خَبَرَ السَّمَاءِ ( لَمَسْنَا السَّمَاءَ ) كَمَا جَرَتْ عَادَتُنَا بِذَلِكَ فَوَجَدْنَاهَا قَدْ مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا ، وَشُهُبًا تَحْرُسُهَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ، وَتَمْنَعُنَا مِنِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ .

(3) - ثُمَّ يَرُدُّ اللهُ تَعالى عَلَى قَولِ مَنْ قَالَ من المُشْرِكِينَ إنَّ مُحَمَّدًا كَاهنٌ ، وإِنَّ ما يَأْتِيهِ هُوَ مِنْ نَوْعِ ما تَأْتِي بهِ الشَّياطِينُ إلى الكَهَنَةِ . . فَيَقُولُ لَهُمْ تَعالى: إنَّ القرآنَ لم تَتَنَزَّلْ بهِ الشياطيِنُ ليكونَ كَهَانَةً وسِحْرًا .

وما يَنْبِغِي لِلشَّياطِينِ أَنْ يَتَنَزَّلُوا بهِ ، لأَنَّ من سَجِيَّةِ الشَّياطِينِ الفَسَادَ ، وَإِضْلاَلَ العِبَادِ ، والقُرآنُ هُدىً ، وَبُرهَانٌ عظيمٌ لِلعبادِ على وُجُودِ اللهِ ، وَعَلى الخَيْرِ ، والحَقِّ ، فَبَيْنَهُ وبَينَ الشَّياطِينِ مُنَافاةٌ عظيمةٌ .

ثمَّ يقولُ تَعالى إنَّهمْ لا يَسْتَطيعُونَ حَمْلَهُ ولا تَأْدِيَتَهُ ، لأَنَّ حَمْلَ القُرآنِ لَيْسَ بالأَمرْ السَّهْلِ . ثُمًَّ إِنَّهُمْ فَوْقَ ذَلِكَ بِمَعْزلٍ عنِ اسْتِمَاعِ القرآنِ حَال نُزُولِهِ ، كَمَا جَاءَ في الآيةِ التَّالِيَةِ .

والشَّياطِينُ مَعْزُولونَ عنِ استْمَاعِ حَرْفٍ واحِدٍ من القُرآنِ لِئلاَّ يَشْتَبِهَ الأمْرُ ، وهَذا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ بِعِبَادِهِ ومِنْ حِفْظِهِ لِشَرْعِهِ ، وَتأْيِيدِهِ لِكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت