فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 322

( قَوْلُهُ: وَمَنَعَ أَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ إلَخْ ) اسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي كَشَّافِهِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) [الجن/26-28] } ، يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُطْلِعُ عَلَى الْغَيْبِ إلَّا الْمُرْتَضَى الَّذِي هُوَ مُصْطَفًى لِلنُّبُوَّةِ خَاصَّةً لَا كُلَّ مُرْتَضًى ،وَفِي هَذَا إبْطَالُ الْكَرَامَاتِ، لِأَنَّ الَّذِينَ تُضَافُ إلَيْهِمْ وَإِنْ كَانُوا أَوْلِيَاءَ مُرْتَضَيْنَ فَلَيْسُوا بِرُسُلٍ وَقَدْ خَصَّ اللَّهُ الرُّسُلَ مِنْ بَيْنِ الْمُرْتَضَيْنَ بِالِاطِّلَاعِ عَلَى الْغَيْبِ وَإِبْطَالِ الْكِهَانَةِ وَالتَّنْجِيمِ لِأَنَّ أَهْلَهُمَا أَبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ الِارْتِضَاءِ وَأَدْخَلُهُمَا فِي السَّخَطِ ا هـ .

قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الِانْتِصَافِ: ادَّعَى الزَّمَخْشَرِيُّ عَامًّا وَاسْتَدَلَّ بِخَاصٍّ وَيَجُوزُ إعْطَاؤُهُمْ الْكَرَامَاتِ كُلِّهَا إلَّا الِاطِّلَاعَ عَلَى الْغَيْبِ ا هـ .

وَقَدْ أُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّسُولِ الْمَلَكُ وَالْإِظْهَارُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ وَاطِّلَاعُ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى الْمُغَيَّبَاتِ إنَّمَا هُوَ بِوَاسِطَةِ الْمَلَكِ كَاطِّلَاعِنَا عَلَى أَحْوَالِ الْآخِرَةِ بِتَوَسُّطِ الْأَنْبِيَاءِ ،وَهَذَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ جَمِيعُ الْغَيْبِ عَلَى مَا تُفِيدُهُ الْإِضَافَةُ الَّتِي لِلِاسْتِغْرَاقِ، فَإِنْ أُرِيدَ غَيْبٌ مَخْصُوصٌ وَهُوَ الْأَشْيَاءُ الْخَمْسَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْله تَعَالَى {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (1) (34) سورة لقمان ،وَهِيَ الْمُشَارُ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} (2) (59) سورة الأنعام ،لَا حَاجَةَ إلَى الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ .

وَيَدُلُّ لِهَذَا الْوَجْهِ تَفْرِيعُ قَوْلِهِ: { فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا } عَلَى قَوْلِهِ { عَالِمُ الْغَيْبِ } فَإِنَّهُ يَكُونُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ حَصْرُ عَالِمِيَّةِ الْغَيْبِ فِيهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْغَيْبَ الْمَخْصُوصَ الْمَعْرُوفَ اخْتِصَاصُهُ بِهِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ وَبَعْضُهُ إضَافَتُهُ إلَى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ غَيْبِهِ وَحِينَئِذٍ لَا مَسَاغَ لِلتَّمَسُّكِ بِالْآيَةِ فِيمَا ادَّعَاهُ ،وَعَلَى تَقْدِيرِ التَّعْمِيمِ وَإِرَادَةِ الِاسْتِغْرَاقِ يَكُونُ الْمَعْنَى فَلَا يُطْلِعُ عَلَى جَمِيعِهِ فَلَا يُنَافِي جَوَازَ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْبَعْضِ.

(1) - يَذْكُرُ اللهُ تَعَالى خَمسَةَ أَشياءٍ اخْتَصَّ نَفْسَهُ الكَريمَةَ بِعِلْمِهَا ، فَلا يَعْلَمُها أَحَدٌ سِواهُ وهيَ:

-علمُ السَّاعةِ - فَلاَ يَعْلَمُ أَحَدٌ مَوعِدَ قِيامِ السَّاعَةِ .

-إِنْزالُ الغَيْثِ - فَهُوَ تَعَالى يُنْزِلُ الغَيْثَ في وَقْتِهِ المُقَدَّرِ ، وَمَكَانِهِ المُعَيَّن ، وَلا يَعْلَمُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ شَيئًا مِنْ ذَلِكَ .

-عِلْمُ مَا فِي الأرْحَامِ مِنْ ذَكَرِ أَوْ أُنْثَى وَمِنْ جَنينٍ تَامِّ الخَلْقِ أَوْ نَاقِصِهِ . . . وَلا يَعْلَمُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ ذَلِكَ ، فِي بَدْءِ تَخَلُّقٍ الجَنينِ .

-مَا تَكسِبُهُ النَّفْسُ فِي غَدِهَا مِنْ خَيرٍ وَشَرٍّ ، فَلاَ يَعْلُمُهُ أَحَدٌ غيرُ اللهِ .

-مَكَانُ الوَفَاةِ وَزَمَانُها - فَلَيسَ لأَحدٍ مِنْ خَلْقِ اللهِ أَنْ يَعْلَمَ أَيْنَ يَمُوتُ وَمَتَى يَمُوتُ .

والذِي يَعْلَمُ ذلِكَ كُلَّهُ هُوَ اللهُ تَعَالَى وَحْدَهُ لاَ إِله إِلاّ هُوَ العَليمُ الخَبِيرُ .

(2) - قَالَ البُخَارِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ: إِنَّ مَفَاتِحَ الغَيْبِ ( أَيْ خَزَاِئِنهُ ) خَمْسٌ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إِلاّ اللهُ وَهُوَ المُتَصَرِّفُ فِيهِنَّ وَحْدَهُ:

1 -إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ .

2 -وَيُنْزِلُ الغَيْثَ .

3 -وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غدًا .

4 -وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ .

5 -وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ .

وَاللهُ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ وَالبَحْرِّ مِنْ جَمِيعِ المَوْجُودَاتِ ، لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيءٌ ، وَيَعْلَمُ كُلَّ حَرَكَةٍ فًلاَ تَسْقُطُ وَرَقَةٌ ، وَلاَ تُوْجَدُ حَبَّةٌ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ إلاَّ يَعْلَمُهَا اللهُ ، وَمَا مِنْ شَجَرَةٍ إلاَّ يَعْلَمُهَا ، وَيَعْلَمُ رُطُوبَتَها وَيُبُوسَتَهَا .

وَقَدْ أَحْصَى كُلَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ لاَ يُهْمِلُ شَيْئًا مِنْ عَمَلِ جَمِيعِ خَلْقِهِ وَحَالاَتِهِمْ .

كِتَابٍ مُبِينٍ - اللَّوحِ المَحْفُوظِ أَوْ أُمِّ الكِتَابِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت