، وَإِنْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَظُنُّونَ فِي أَنْفُسِهِمْ أَوْ فِي غَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَلَا يَكُونُونَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ، فَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ . قَالَ تَعَالَى: { وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18) } (1) [المائدة/18] . وَقَالَ تَعَالَى: { وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112) (2) } [البقرة/111، 112] . وَكَانَ مُشْرِكُو الْعَرَبِ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ أَهْلُ اللَّهِ لِسُكْنَاهُمْ مَكَّةَ وَمُجَاوَرَتِهِمْ الْبَيْتَ، وَكَانُوا يَسْتَكْبِرُونَ بِهِ عَلَى غَيْرِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: { قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67) } [المؤمنون/66، 67] ، (3)
(1) - قَالَ كُلٌّ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى نَحْنُ مُنْتَسِبُونَ إلى أنْبِيَاءِ اللهِ ، وَهُمْ بَنُوهُ ، وَلَهُ بِهِمْ عِنَايَةٌ ، وَهُوَ يُحِبُّنَا .
وَأوْرَدُوا فِي كِتَابِهِمْ أنَّ اللهَ قَالَ لِعَبْدِهِ إِسْرَائِيلَ ( يَعْقُوبَ ) أنْتَ ابْنِي البِكْرُ . فَحَمَلُوا هَذا القَوْلَ عَلَى غَيْرِ تَأوِيلِهِ وَحَرَّفُوهُ . وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِمْ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُقَلائِهِمْ: إنَّ هذا القَوْلَ يُطْلَقُ عِنْدَهُمْ عَلَى سَبيلِ التَّكْرِيمِ وَالتَّشْرِيفِ .
وَوَرَدَ فِي الإِنجيلِ: إنَّ المَسِيحَ قَالَ لَهُمْ: إنِّي ذَاهِبٌ إلى أبي وَأبِيكُمْ ، يَعْنِي رَبِّي وَرَبِّكُمْ .
وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ رَدًّا عَلَى أقْوالِ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ أنْ يَقُولَ لَهُمْ: لَوْ كَنْتُمْ كَمَا تَدَّعُونَ أبْنَاءَ اللهِ وَأحِبَّاءَهُ فَلِمَ أعَدَّ اللهُ لَكُمْ جَهَنَّمَ جَزَاءً لَكُمْ عَلَى كُفْرِكُمْ وَكَذِبِكُمْ وَافِتِرائِكُمْ؟ بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِنَّنْ خَلَقَ اللهُ ، وَلَكُمْ أسْوَةٌ بِأمْثَالِكُمْ ، وَهُوَ سَبْحَانَهُ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ، وَالحَاكِمُ المَتَصَرِّفُ فِي جَمِيعِ عِبَادِهِ ، فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ ، وَيُعَذِبُ مَنْ يَشَاءُ ، وَلا مَعَقِّبَ عَلَى حُكْمِهِ ، وَهُوَ سَريعُ الحِسَابِ .
(2) - ادَّعَى اليَهُودُ ، وَادَّعَتِ النَّصَارَى أَنَّهُ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إَلاَ مَنْ كَانَ عَلَى مِلَتِهِمْ هُمْ . فَرَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلًا: تِلْكَ أَشْيَاءُ يَتَمَنَّوْنَهَا عَلَى اللهِ بِغَيرِ وَجْهِ حَقٍّ ، وَلَيْسَ لَهُمْ دَلِيلٌ وَلاَ حُجَّةٌ عَلَى مَا يَقُولُونَ . فَإِنْ كَانَ لِدَعْوَاهُمْ هذِهِ أَسَاسٌ فَلْيأتُوا بِبُرْهَانٍ عَلَيها . وَبِمَا أَنَّهُمْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ إِقَامَةَ الدَّلِيلِ عَلَى دَعْوَاهُمْ هَذِهِ فَهُمْ إِذًا كَاذِبُونَ مُتَخَرِّصُونَ .
وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى دَعْوَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى تِلْكَ فَيَقُولُ لَهُمْ: بَلَى سَيَدْخُلُ الجَنَّةَ الذِين يُسْلِمُونَ وُجُوهَهُمْ للهِ . وَيَنْقَادُونَ لأَمْرِهِ مُطِيعِينَ مُخْلِصِينَ ، وَهُمْ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ فُهؤُلاءِ يُوَفِّيهِمْ رَبُّهُمْ ثَوَابَ أَعْمَالِهِمْ ، وَيُدْخِلُهُم الجَنَّةَ ، وَيُذْهِبُ عَنْهُمُ الخَوْفَ وَالحَزَنَ يَوْمَ القِيَامَةِ ، فَلاَ خَوْفٌ عَلَيهِمْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَهُ مِنَ الأَمْرِ ، وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا يَتْرُكُونَهُ مِنْ أَمْرِ الدُّنيا . فَرَحْمَةُ اللهِ لاَ يَخْتَصُّ بِهَا شَعْبٌ دُونَ شَعْبٍ ، وَكُلُّ مَنْ عَمِلَ لَهَا ، وَأَخْلَصَ فِي عَمَلِهِ ، كَانَ مِنْ أَهْلِهَا .
(3) - لَقَدْ كَانَتْ آيَاتُ اللهِ تُتْلَى عَلَيْكُم بالحَقِّ ، فَكُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ عَنْ سَمَاعِها ، وَتَسْخَرُونَ مِنْهَا ، وَتُعْر ِضُونَ عَنْهَا ، وَتُدِيرُونَ ظُهُورَكُمْ إِلَيْهَا وَلِذَلِكَ فًَلاَ عُذْرَ لَكُم اليَوْمَ .
وَقَدْ كُنْتُم تُعْرِضُونَ عَن الإِيْمَانِ وَأَنْتًمْ تَسْتَكْبِرُونَ بالبَيْتِ الحَرَامِ ، وَتَقُولُونَ: نَحْنَ أَهْلُ حَرَمِ اللهِ ، وَخُدَّامُ بَيْتِهِ ، فَلاَ يُظْهِرُ عَلَيْنَا أَحَدًا ، وَلاَ نَخَافُ أَحَدًا ، وَكُنْتُم تَسْمرُونَ حَوْلَ البَيْتِ ، وَتَتَنَاوَلُونَ القُرْآنَ بالُجِرِ مِنَ القَوْلِ ( سَامِرًا تَهْجُرُونَ ) .
( وَقِيلَ بَلِ المَقْصُودُ بالهُجْرِ مِنَ القَوْلِ والتَّكْذِيبِ رَسُولُ اللهِ والأَوَّلُ أَظْهَرُ ) .
مُسْتَكْبِرينَ بِهِ - مُسْتَعْظِمِينَ بالبَيْتِ الحَرَامِ .