فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 322

وَقَالَ تَعَالَى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (31) وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (34) (1)

(1) - تآمَرَ المُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، يُرِيدُونَ سَجْنَهُ أَوْ قَتْلَهُ أَوْ إِخْرَاجَهُ مِنْ مَكَّةَ ، فَأَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ بِخِطَّتِهِمْ . وَجَاءَ جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، فَأَمَرَهُ بِأَلاَّ يَبيتَ فِي مَكَانِهِ الذِي يَبِيتُ فِيهِ ، فَدَعَا الرَّسُولُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، فَأَمَرَهُ بِأَنْ يَبِيتَ فِي فِرَاشِهِ ، وَيَتَسَجّى بِبُرْدِهِ فَفَعَلَ . ثُمَّ خَرَجَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم وَالقَوْمُ الذِينَ كُلِّفُوا بِقَتْلِهِ وَاقِفُونَ بِالبَابِ ، وَكَانَ مَعَهُ حَفْنَةٌ مِنْ تُرَابٍ ، فَجَعَلَ يَذْرُوهَا عَلَى رُؤُوسِهِمْ ، وَأَخَذَ اللهُ بِأَبْصَارِهِمْ عَنْهُ وَهُوَ يَقْرَأ سُورَة ( يس ) .

وَذَكَرَ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُمْ يُخَطِّطُونَ وَيَمْكُرُونَ وَيُدَبِّرُونَ لإِيقَاعِ الأَذَى بِكَ وَبِالمُؤْمِنِينَ ، وَاللهُ يَمْكُرُ بِهِمْ ، وَيُدَبِّرُ مَا يُفْسِدُ تَدْبِيرَهُمْ ، وَيُعَطِّلُ مَكْرَهُمْ ، وَاللهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ لأنَّ مَكْرَهُ نَصْرٌ لِلْحَقِّ ، وَإِعْزَازٌ لأَهْلِهِ ، وَخُذْلاَنٌ لِلْبَاطِلِ وَحِزْبِهِ .

حِينَمَا كَانَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم يَتْلُو القُرْآنَ عَلَى كُفّارِ قُرَيشٍ كَانُوا يَقُولُونَ: قَدْ سَمِعْنا ، لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنا مِثْلَهُ . وَلَكِنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَمْ يَسْتَطِعْ قَوْلَ شَيءٍ مِنْهُ ، لأنَّ اللهَ تَعَالَى تَحَدَّاهُمْ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ أَنْ يَأتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ . وَكَانَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ أَنْ يَقُومَ بِهِ مَجْلِسِهِ الذِي يَقْرَأ فِيهِ القُرْآنَ ، وَيَدْعُو النَّاسَ إلى رَبِّهِمْ ، يَأْتِي النَّضْرُ بْنُ الحَارِثِ فَيَجْلِسُ مَكَانَ الرَّسُولِ ، وَيُحَدِّثُ النَّاسَ بِأَسَاطِيرِ فَارِسَ وَالرُّومِ وَقَصَصِهِمْ القَدِيمَةِ ، وَيَقُولُ لَهُمْ: بِاللهِ أيُّنَا أَحْسَنُ قَصَصًا أَنَا أَوْ مُحَمَّدٌ؟

يُرْوَى أَنَّهُ لَمَّا قَالَ النَّضْرُ بْنُ الحَارِثِ: إِنَّ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ: وَيلَكَ إِنَّهُ كَلاَمُ رَبِّ العَالَمِينَ . فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الحَقَّ . . وَمَعْنَى الآيَةِ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا القُرْآنُ ، وَمَا يَدْعُو إِلَيْهِ هُوَ الحَقُّ مِنْ عِنْدِكَ لِتَهْدِيَ بِهِ عِبَادَكَ ، كَمَا يَدَّعِي مُحَمَّدٌ ، فَارْجُمْنَا بِحِجَارَةٍ مِنَ السَّمَاءِ ، أَوْ أَنْزَلَ بِنَا عَذَابَكَ الأَليمَ . وَهَذا القَوْلُ يَدُلُّ عَلَى أَنْ عُتُوَّ قُرَيْشٍ كَانَ كَبِيرًا ، وَعِنَادَها كَانَ بَالِغًا ، إِذْ يَقُولُ بَعْضُهُمْ هَذا القَوْلَ ، وَهُوَ مِمَّا عِيبَ عَلَيهِمْ . وَلَوْ أنَّهُم قَالُوا: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذا هُوَ الحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَاهْدِنَا إِليهِ ، وَوَفِّقْنَا لاتِّبَاعِهِ ، لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ .

وَمَا كَانَ مِنْ سُنَّةِ اللهِ ، وَلاَ مِنْ مُقْتَضَى رَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ ، وَأَنْتَ أَيًُّهَا الرَّسُولُ فِيهِمْ ، لأنَّ اللهَ إِنَّمَا أَرْسَلَكَ رَحْمَةً وَنِعْمَةً ، لا عَذابًا وَنَقْمَةً ، وَأنَّ سُنَّتَهُ جَرَتْ ألاَّ يُعَذِّبَ المُكَذِّبِينَ إلاَّ بَعْدَ أنْ يَخْرُجَ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَظْهِرِهِمْ .

وَرَوَى ابْنُ جُريرٍ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ فَأَنْزَلَ اللهُ: { وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } . ثُمَّ خَرَجَ رَسُولَ اللهِ إلَى المَدِينَةِ ، فَأَنْزَلَ تَعَالَى قَوْلَهُ: { وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } فَكَانَ قَدْ بَقِيَ فَي مَكَّةَ جَمَاعَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَسْتَغْفِرُونَ اللهَ ، فَلَمَّا خَرَجُوا أَنْزَلَ اللهُ قَوْلَهُ تَعَالَى: { وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المسجد الحرام } فَأَذِنَ اللهُ لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم بِفَتْحِ مَكَّةَ .

( وَقِيلَ فِي مَعْنى: { وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } إِنَّ المُشْرِكِينَ كَانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ الحَرَامِ وَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ، لاَ شَرِيكَ لَكَ لبَّيْكَ ، وَيَقُولُونَ: غُفْرانَكَ اللَّهُمَّ ) .

إنَّهُمْ أَهْلٌ لأنْ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ لأنَّهُمْ يَصُدُّونَ المُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ عَنِ الصَّلاةِ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ ، وَالطَّوَافِ بِالكَعْبَةِ ، وَلكِنَّهُ تَعَالَى لَمْ يُنْزِلْ بِهِم العَذَابَ لِبَرَكَةِ مَقَامِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُمْ ، فَلَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ ، أَوْقَعَ اللهُ بَأْسَهُ فِيهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ .

ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى: وَهَؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ الذِينَ يَصُدُّونَ النَّاسَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ ، لَيْسُوا هُمْ أَهْلَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ ، فَهُمْ دَنَّسُوهُ بِالشِّرْكِ وَعِبَادَةِ الأصْنَامِ ، وَإِنَّمَا أَهْلُهُ وَأَوْلِيَاؤُهُ ، الذِينَ يَسْتَحِقُّونَ الوَلاَيَةِ عَلَيهِ ، هُمُ النَّبِيُّ وَالمُسْلِمُونَ ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ المُشْرِكِينَ لاَ يَعْلَمُونَ هَذِهِ الحَقِيقَةَ .

إنه لا يمنع العذاب عنهم ما يدعونه من أنهم ورثة إبراهيم وسدنة بيت الله الحرام . . فهذه ليست سوى دعوى لا أساس لها من الواقع . إنهم ليسوا أولياء هذا البيت ولا أصحابه . إنهم أعداء هذا البيت وغاصبوه ! إن بيت الله الحرام ليس تركة يرثها الخلف عن السلف . إنه بيت الله يرثه أولياء الله المتقون لله . . ومثله دعواهم أنهم ورثة إبراهيم - عليه السلام - فوراثة إبراهيم ليست وراثة دم ونسب ; إنما هي وراثة دين وعقيدة . والمتقون هم ورثة إبراهيم وبيت الله الذي بناه لله ; فإذا هم يصدون عنه أولياءه الحقيقيين المؤمنين بدين إبراهيم !

إنهم ليسوا أولياء لهذا البيت وإن كانوا يصلون عنده صلاتهم . فما هذه بصلاة ! إنما كانت صفيرًا بالأفواه وتصفيقًا بالأيدي , وهرجًا ومرجًا لا وقار فيه , ولا استشعار لحرمة البيت , ولا خشوع لهيبة الله .

عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه قال:إنهم كانوا يضعون خدودهم على الأرض , ويصفقون ويصفرون .

وإن هذا ليخطر بالبال صور العازفين المصفقين الصاخبين الممرغين خدودهم على الأعتاب والمقامات اليوم في كثير من البلاد التي يسمونها"بلاد المسلمين"! إنها الجاهلية تبرز في صورة من صورها الكثيرة . بعدما برزت في صورتها الواضحة الكبيرة:صورة ألوهية العبيد في الأرض , وحاكميتهم في حياة الناس . . وإذا وقعت هذه فكل صور الجاهلية الأخرى إنما هي تبع لها , وفرع منها !

(فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون) . .

وهو ذلك العذاب الذي نزل بهم في بدر بأيدي العصبة المسلمة . فأما العذاب الذي طلبوه - عذاب الاستئصال المعروف - فهو مؤجل عنهم , رحمة من الله بهم , وإكرامًا لنبيه صلى الله عليه وسلم ومقامه فيهم , عسى أن ينتهي بهم الأمر إلى التوبة والاستغفار مما هم فيه .في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 215)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت