وللتوفيق بين هذه النقول عنه نقول: إن ابن سريج يقول بجوار ذلك عقلا، وعدم تحققه ووقوعه شرعا. وقد استدل عام قوله هذا بالأدلة الآتية1:
أولًا: استدل بقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} 2
وجه الاستدلال: أن النسخ بيان للمنزل، فيجب أن يكون ذلك بيانا له.
ثانيا: النسخ إنما يتناول الحكم. والكتاب والسنة المتواترة في إثبات الحكم واحد، وإن اختلفا في الإعجاز. فيجب أن يتساويا في النسخ، لذا جاز نسخ الكتاب بالسنة المتواترة.
ثالثا: أن متواتر السنة قاطع، أن يحصل القطع بثبوته وذلك لأن المتواتر يفيد العلم الضروري، وبذلك يكون متواتر السنة من عند الله في الحقيقة، لقوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} 3.
وقال صلى الله عليه وسلم:"أوتيت القرآن ومثله معه"4.
وإذا كان متواتر السنة قاطعا، وهو من عند الله تعالى صار كالقرآن في نسخ القران به.
رابعا: بأنه لو استحال لاستحال لذاته، أو الأمر خارج عن ذاته، لكنه لا يستحيل لذاته ولا لأمر خارج، فلا يكون مستحيلا مطلقا، فيكون جائزا مطلقا.
1 انظر: المرجع السابق.
2 سورة النحل آية: 44.
3 سورة النجم آية: 3 _ 4.
4 انظر: مختصر سنن أبي داود _ باب لزوم السنة _ 7/ 7، ومعالم السنن 7/ 7.