اتفاق فما عدمتم إلا شخصه الكريم، وإن كان غيره فالمصائب المستقبلة أهونها موته وهو الهول العظيم - والسلام. وقد تقدم ذكر أولاده وهم: الأفضل والظاهر والعزيز - وهو الملقب بالظافر فيما تقدم - ويعرف بالمشمر لأن أباه لما قسم البلاد بين أولاده الكبار قال: وأنا مشمر، فغلب عليه هذا اللقب، وتوفي في سنة سبع وعشرين وستمائة بحران عند ابن عمه الملك الأسرف بن الملك العادل، ولم يكن الأشرف يومئذ ملكًا. ثم إن ولده الملك العزيز لما أخذ دمشق من أخيه الملك الأفضل بنى إلى جانب القبة المذكورة المدرسة العزيزية، ووقف عليها وقفًا جيدًا، ولما ملك السلطان صلاح الدين الديار المصرية عمر بالقرافة الصغرى المدرسة المجاورة لضريح الإمام الشافعي - رضي الله تعالى عنه -. وبنى مدرسة بالقاهرة في جوار المشهد المنسوب إلى الإمام الحسين بن علي - رضي الله تعالى عنهما - وجعل على ذلك وقفًا جيدًا، وجعل دار سعيد السعداء خادم المصريين خانقًا، ووقف عليها وقفًا طائلًا، وجعل دار عباس بن السلار مدرسة للحنفية وعليها وقف جيد أيضًا والمدرسة التي بمصر المعروفة بزين النجار وقفًا على الشافعية وقفًا جيدًا أيضًا، وله بمصر أيضًا مدرسة للمالكية، وبنى بالقاهرة داخل القصر مارستان، وله وقف جيد، وله بالقدس مدرسة وقفها كثير خانقة بها. قلت: وصلاح الدين كاسمه لما فتح من بلاد الكفار وعمرها بالإسلام، وما له من محاسن الأحكام، وفعل من المعروف في الأوقاف العظيمة ما تضمن النفع العام - فالله تعالى يقدس روحه وينور ضريحه - مع أن كثر هذه الوقوفات من المدارس وغيرها غير منسوبة إليه في الظاهر، ولا يعرف أنه أنشأها إلا من له اطلاع على علم التواريخ. قالوا: وكان مع هذه المملكة المتسعة والسلطنة العضيم والمرتبة المرتفعة كثير التواضع واللطف، قريبًا من الناس رحيم القلب، كثير الاحتمال والمداراة، وكان يحب العلماء وأهل الخير ويحسن إليهم، ويميل إلى الفضائل ويستحسن الأشعار الجيدة ويرددها في مجالسه، حتى قيل إنه كان كثيرًا ما ينشد قول أبي منصور محمد بن الحسين الحميري، وقيل إنه قول أبي محمد أحمد بن خيران الشامري:
وزارني طيف من أهوى على حذر ... من الوشاة، وداعي الصبح قد هتفا
فكدت أوقظ من حولي به فرحًا ... وكاد يهتك سر الحب بي شغفا
ثم انتبهت، وآمالي تخيل لي ... نيل المنى، فاستحالت غبطتي أسفا
قيل: وكان يعجبه ايضًا إنشاد أبي الحسن المعروف بابن المنخم.