يرون جسمًا براه الحب بالتلف ... وليس يدرون درًا داخل الصدف
حاكى شيوخًا أجلا سادة سلفوا ... أكرم بمن في المعالي لاحق السلف
كنت أعهده رضي الله تعالى عنه منذ سنين عديدة يأتي للحج والزيارة متحليًا بحلية حميدة، وكثيرًا ما يأتي لذلك، ويسافر وفلاح الصلاح عليه قد لاح وهو ظاهر، وربما أتاني في بعض الأوقات تفضلًا منه في مكة شرفها الله تعالى يقال: عندما يأتي للحج، وهو حينئذ من الصالحين، ثم جاءه بعد ذلك نصيب وافر مما أشار إليه الحق سبحانه بقوله تعالى"أتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علمًا"وبقوله عز وجل:"ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم"وبقوله تعالى"يجتبي إليه من يشاء"وغير ذلك، ثم لزم منزله، وصار لا يحدث شيئًا من الحركات ألا بأمر وإشارات كل هذا، وما عندي علم حتى سافرت إلى اليمن السفرة الأولى، فتلقاني إلى الساحل في جمع كثير من فقرائه وجيرانه، وإذا الرجل غير الرجل، والوصف غير الوصف ظاهره قد كسي بملابس الأنوار، وباطنه خزانة المعرف والأسرار، يفوح فيه طيب الوصف بالغدو والآصال. ويصدق فيه قول الذي قال:
إلا إن وادي الجزع أضحى ترابه ... من المس كافورًا وأعواده رندا
وما ذاك إلا أن هندًا عشية ... تمشت وجرت في وجوانبه بردا
وفي انتقاله من حالة البعد والعنا إلى حالة القرب والهنا قلت:
عهدتكم قدمًا على غير حالة ... بها اليوم أنتم ساده وملوك
أتاكم من الرحمن جذب عناية ... فهان عليكم للوصول سلوك
وفي مشيه إلى عندي قلت مستعير البيت الثاني:
لقد حق لي يا هند أنشد في الهوى ... ولاق بحالي حين جاء سيدي عندي
خليلي هل أبصرتما أو سمعتما ... بأكرم من مولى تمشى إلى عبد
ثم سافرت السفرة الأخيرة، فرأيت ما أدهش عقلي، وحير فكري من الأحوال والمعارف والأسرار والمكاشفات، والأنوار والكرامات، وغير ذلك مما شاهدته منه في حال خلوته في أوقات كثيرة عند ورود أحوال عظيمة تجري على لسانه فيها من عجائب الغيوب ما يحيي القلوب، وفي ذلك قلت على جهة النيابة على لسان حاله:
وما قلت قولًا غير أني أعرتها ... لساني فأومت للهوى يتكلم
فأسرارها منها علمت، وعندما ... سكرت جليسي سرها منه يعلم