الصفحة 143 من 324

لا بالمَعْنى المُطابِقِ للَّفْظ؛ لأنَّ المَعْنى المطابِقَ للَّفْظِ في {تَزِرُ} أي: تَأْثَم؛ إذ إنَّ الوِزْر هو الإِثْم، ولكن تقدَّم كثيرًا أن تَفْسيرَ القُرْآن قد يُرادُ به التَّفْسيرُ المُطابِقُ للَّفْظِ، وقد يُرادُ به التَّفْسيرُ بالمَعْنى المُرَادُ لا المُطابِق للَّفْظ؛ أي: [لا تَحْمِلُ وِزْر نَفْسٍ أخرى] .

أفادنا أيضًا بِقَوْله: [ {وَازِرَةٌ} نَفْسٍ] أنَّ {وِزْرَ} صِفَةٌ لمِوْصوفٍ مَحْذُوفٍ تَقْديره: (نَفْس) ؛ أي إنَّ زيدًا لا يَحْمِلُ إثْمَ عَمْرو، وهندًا لا تَحْمِلُ وِزْر فاطمة مثلًا، فكلٌّ يَحْمِل وِزْرَه، قال الله تعالى مُبَيِّنًا ذلك في جُمْلَة تُعْتَبَرُ قاعِدَة: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر: 38] {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [الطور: 21] .

وأمَّا من لم يَكْسِبْ شيئًا فليس عليه مِنْ إِثْمِ الآخَرِ شَيْءٌ، ولا يعارِضُ هذا قَوْلَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ" (1) ؛ لأنَّ سَنَّه إيَّاها يُعْتَبَر وِزْرًا؛ لأنَّه هو الذي شَقَّ الطَّريقَ لها، ومَهَّدَ السُّبُل؛ فلهذا كان عليه وِزْرُها وَوِزْرُ مَن عَمِلَ بها إلى يَوْمِ القِيامَة، فالآيَةُ هنا لا تُنافي الحديث.

قال: {وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ} .

[ {وَإِنْ تَدْعُ} نَفْسٌ {مُثْقَلَةٌ} بالوِزْرِ {إِلَى حِمْلِهَا} منه أَحَدًا لِيَحْمِل بَعْضَه {لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ} ] .

{وَإِنْ تَدْعُ} أي: تَطْلُب {مُثْقَلَةٌ} بالأَوْزارِ {إِلَى حِمْلِهَا} لِيُحْمَل عنها بَعْضُه {لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ} وجُمْلَةُ {لَا يُحْمَلْ} جوابُ الشَّرْطِ، والشَّرْطُ قَوْله تعالى: {وَإِنْ تَدْعُ} وهو مَجْزومٌ بِحَذْفِ الواو، والضَّمَّةُ قَبْلَه دليلٌ عليه و {لَا يُحْمَلْ} هذا هو

(1) أخرجه مسلم: كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة، رقم (1017) ، من حديث جرير بن عبد الله البجلي - رضي الله عنه -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت