الآية (2)
* قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [فاطر: 2] .
{مَّا} شَرْطِيَّةٌ تَجْزِمُ بدليلِ الفِعْلِ بعدها، ولكنَّ الفِعْلَ بعدها أمامنا مكسورٌ {يَفْتَحِ} فنقول: إنَّ هذه الكَسْرَة عارِضَةٌ من أجل تَوَقِّي الْتِقاءِ السَّاكِنَيْنِ، وإلا فإنَّها مَجْزومةٌ، وهذا كقَوْله تعالى: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا} البَيِّنَة: 1] وأَصْلُها: (لم يَكونْ) .
قَوْله تعالى: {يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ} فَتْحُ الشَّيْءِ: إزالَةُ الحَواجِزِ دونه؛ يعني: متى فتحْتَ البَيْتَ؛ يعني: أزَلْتَ الحاجِزَ المانِعَ مِن دُخُولِهِ وهو البابُ، والرَّحْمَة إذا فُتِحَتْ فإنَّ الإِنْسَانَ يَدْخُل إليها ويَلِجُ فيها.
وَقَوْله تعالى: {مِنْ رَحْمَةٍ} : {مِن} بيانٌ لـ {مَّا} ، و {مَّا} شَرْطِيَّةٌ مُفيدَةٌ للْعُمومِ، وعلى هذا فيكونُ في الآيَةِ عُمومٌ؛ أي: أيُّ رَحْمةٍ يَفْتَحْها الله عَزَّ وَجَلَّ للنَّاسِ فلا أَحَدَ يَسْتَطيعُ إِمْساكَهَا.
وَقَوْله تعالى: {مِنْ رَحْمَةٍ} قال المُفَسِّر رَحِمَهُ الله: [كَرِزْقٍ ومَطَرٍ] ، وهذا على سبيلِ التَّمْثيلِ لا الحَصْر؛ لأنَّ رَحْمَة الله أكْثَرُ من ذلك، قال الله تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53] ، {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل: 18] فرَحْمَة الله عَزَّ وَجَلَّ لا تُحْصَى في أَنْواعِها فضلًا عن أَفْرادِها.