ولكن كيف نلجأ إلى الله في هذه الأُمُور؛ هل نلجأ إليه بالصِّفَة التي أَرْشَدَنا إليها النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ في صلاة الكسوف؟ أو نلجأ إلى الله تعالى بالصِّفَة التي أَرْشَدَنا إليها النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ في صلاة الكُسُوفِ فقط وما عداه فإننا نلجأ إلى الله تعالى بالدُّعَاء المُطْلَق؟
هذا مَحَلُّ خلافٍ بين العُلَماء رَحِمَهُم اللَّهُ؛ فمنهم من قال إنَّه إذا وُجِدَتْ آياتٌ أُفُقِيَّة تُخيفُ العبادَ فإنَّه يُشْرَعُ للعباد أن يُصَلُّوا صلاة الكُسُوفِ حتى يَذْهَبَ ما بهم.
فالذين قالوا بالأَوَّلِ؛ أنَّه يُصَلَّى لِكُلِّ آيَةٍ تُخَوِّفُ العبادَ، اسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم:"إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِمَا عِبَادَهَ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا - يَعْنِي كاسِفَتَيْنِ - فَصَلُّوا وادْعُوا ..." (1) إلخ.
قالوا: وتخويفُ العبادِ بالصَّواعِقِ والزَّلازِلِ أَشَدُّ وَقْعًا في نُفُوسِهِم من الكُسُوفِ، فإذا شُرِعَتِ الصَّلاةُ للكُسُوفِ فَمْشُروعِيَّتُها لهذه الآياتِ من بابِ أولى.
وهذا اختيارُ شَيْخِ الإِسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ (2) رَحِمَهُ اللَّهُ، واسْتَدَلَّ بفِعْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - حين صلَّى صلاةَ الكُسوفِ في زَلْزَلَةٍ (3) .
ولكنْ في المذهب (4) يقولونَ: إنَّه لا تُصَلَّى صلاةُ الكُسوفِ إلا لِكُسوفٍ أو للزلزلة؛ احتجاجًا بفِعْلِ ابْنِ عباس - رضي الله عنهما -.
(1) أخرجه البخاري: كتاب الكسوف، باب الصدقة في الكسوف، رقم (1044) ، ومسلم: كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف، رقم (901/ 6) ، من حديث عائشة - رضي الله عنها -.
(2) الإختيارات العلمية (5/ 358) .
(3) أخرجه عبد الرزاق (3/ 101) ، وابن أبي شيبة (5/ 432) ، والبيهقي (3/ 343) .
(4) انظر: الهداية (ص 115) ، والإنصاف (2/ 449) .