الصفحة 89 من 324

المُفَسِّر رَحِمَهُ اللهُ أنَّه المُرَادُ بالآيَة دونَ غَيْره فقُصُورٌ، وإن أراد بذلك التَّمْثيلَ فصحيحٌ؛ فإنَّه لا شَكَّ أنَّ هؤلاء مَكَروا بالنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كما قال الله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30] .

مَعْنى {لِيُثْبِتُوكَ} أي: يُقَيِّدوكَ ويَحْبِسوك {أَوْ يَقْتُلُوكَ} هذا واضح، و {أَوْ يُخْرِجُوكَ} أي: من مَكَّة، ولكن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قال: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} فهُم - الحَمْد لله - ما أَثْبَتُوه، ولا قَتَلُوه، ولا أَخْرَجُوه، كل هذه انْتَفَتْ مع حِرْصِهم الشَّديدِ على تَنْفيذِها، لكنْ ما حصل منها شَيْءٌ.

وجُمْلَة: {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} هذه الجُمْلَةُ جُمْلَة خَبَرِيَّة، وهي في مَحَلِّ رفعِ خَبَرُ {وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ} .

والعذابُ بمَعْنى العُقُوبَةِ، والشَّديدُ؛ أي: القَوِيُّ، فهو قويٌّ في إيلامِهِ، وإيجاعِهِ، وفي أَنْواعِهِ المُتَنَوِّعة، من حَرُورٍ، وبَرْد، وعَطَشٍ، وجُوع، وغير ذلك من شِدَّتِه؛ لهم - والعياذ بالله - سَرابيلُ من قَطِرانٍ كُلَّما نَضِجَتَّ جَلودهم قال الله تعالى: {بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 56] ، وقال: {كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} [الإسراء: 97] ، وانظر إلى قَوْله تعالى: {كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ} [الإسراء: 97] يَتَبَيَّن لك أنَّ الزيادَةَ تأتي فَوْرًا.

والله عَزَّ وَجَلَّ قادِرٌ على أن تبقى بزيادَتِها، لكنَّها تخبو ليكون في قُلوبِهِم شَيْءٌ من الطَّمَع في خِفَّةِ العذابِ أو الخُرُوج، ثم يعود: فيكونُ هذا أَشَدَّ؛ لأنَّ ضَرْبَ الإِنْسَانِ بِعُقوبَةٍ بعد الطَّمَعِ في زوالِهَا يكونُ أشَدَّ عليه مِمَّا لو كان الأَمْرُ مُسْتَمِرًّا.

وَقَوْله تعالى: {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} هذا مُفَصَّلٌ في الكِتَاب والسُّنَّة، فمن تَتَبَّعَه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت