فصاحب هذا الوصف يقال له في اصطلاح القوم: في"حضرة الإطلاق"ويقال له: من الأحرار؛"لكونه طلوقًا من طبائعه، ومن كل ما سوى مولاه، باقٍ بربه لا يشهد إلا علاه" (1) .
ومرة أخرى يعرض لبيان هذه المقامات؛ ولكن في حالة خاصة، وهي حالة الاستغراق مع الذكر، يقول:"الله الله الله كرره ثلاثًا، إشارة إلى أن المراتب ثلاثة: توحيد الأفعال، والصفات، والذات، فإذا قال: الله، شاهد أفعاله في خلقه، وإذا قالها ثانيًا: شاهد الصفات، فيشاهد أن الله متصف بكل كمال، وإذا قالها ثلاثًا: ارتقى لمشاهدة الذات، فيشهدها بدون الصفات، وهي مرتبة أهل الفناء، أو مع الصفات والأفعال، وهذه مرتبة أهل البقاء" (2) .
ويقول في حال الاستغراق مع الذكر الصوفي المعروف (الله) :"إن من داوم على ذكره في خلوة مجردًا، بأن يقول: الله الله؛ حتى يغلب عليه منه حال، شاهد عجائب الملكوت، يقول بإذن الله للشيء كن فيكون، وهو ذكر الأكابر من المولهين وأرباب المقامات، وأهل الكشف التام" (3) .
ولم تكن هذه المقامات الثلاثة؛ هي منتهى المقامات المعروفة عند الصوفية، وهذا ما فصل الصاوي القول به عند شرحه لبيت الدردير في منظومته:
وجد لي بجمع الجمع فضلًا ومنة ... وداوى بوصل الوصل روحي من الضنا.
يقول معربًا القول في معاني هذه الكلمات، التي سألها الدردير في دعائه:
"اعلم أن لهم مقامًا يقال له: الفناء."
ومقامًا يقال له: البقاء، والجمع والفرق.
(1) حاشية الصلوات: 91.
(2) المرجع السابق: 38.
(3) المرجع السابق: 110.