الصفحة 12 من 141

فقال: ما سن لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نؤخر الاعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث، فانظر في أمرك وأمرهم واختر واحدة من ثلاث بعد الاجل، فقال: أسيدهم أنت ؟ قال ! لا: ولكن المسلمون كالجسد الواحد يجير أدناهم على أعلاهم." [1] "

لم يجيء الإسلام إذن ليربت على شهوات الناس الممثلة في تصوراتهم وأنظمتهم وأوضاعهم وعاداتهم وتقاليدهم .. سواء منها ما عاصر مجيء الإسلام ، أو ما تخوض البشرية فيه الآن ، في الشرق أو في الغرب سواء .. إنما جاء هذا كله إلغاءً ، وينسخه نسخًا ، ويقيم الحياة البشرية على أسسه الخاصة . جاء لينشئ الحياة إنشاءً . لينشئ حياة تنبثق منه انبثاقًا ، وترتبط بمحوره ارتباطًا . وقد تشابه جزئيات منه جزئيات في الحياة التي يعيشها الناس في الجاهلية . ولكنها ليست هي ، وليست منها . إنما هي مجرد مصادفة هذا التشابه الظاهري الجانبي في الفروع . أما أصل الشجرة فهو مختلف تمامًا . تلك شجرة تطلعها حكمة الله ، وهذه شجرة تطلعها أهواء البشر: { وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا } .. [ الأعراف: 58 ]

وهذه الجاهلية خبثت قديمًا وخبثت حديثًا .. يختلف خبثها في مظهره وشكله ، ولكنه واحد في مغرسه وأصله .. إنه هوى البشر الجهال المغرضين ، الذين لا يملكون التخلص من جهلهم وغرضهم ، ومصلحة أفراد منهم أو طبقات أو أمم أو أجناس يغلبونها على العدل والحق والخير . حتى تجيء شريعة الله فتنسخ هذا كله ، وتشرِّع للناس جميعًا تشريعًا لا يشوبه جهل البشر ، ولا يلوِّثه هواهم ، ولا تميل به مصلحة فريق منهم .

ولأن هذا هو الفارق الأَصيل بين طبيعة منهج الله ومناهج الناس ، فإنه يستحيل الالتقاء بينهما في نظام واحد ، ويستحيل التوفيق بينهما في وضع واحد . ويستحيل تلفيق منهج نصفه من هنا ونصفه من هناك . وكما أن الله لا يغفر أن يشرك به . فكذلك هو لا يقبل منهجًا مع منهجه .. هذه كتلك سواء بسواء . لأن هذه هي تلك على وجه اليقين .

هذه الحقيقة ينبغي أن تكون من القوة والوضوح في نفوسنا ونحن نقدم الإسلام للناس بحيث لا نتلجلج في الإدلاء بها ولا نتلعثم ، ولا ندع الناس في شك منها ، ولا نتركهم

(1) - البداية والنهاية لابن كثير - موافقة للمطبوع - (7 / 46)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت