الصفحة 93 من 141

المبحث السادس

لا تعارض بين القتال في الإسلام ومنع الإكراه في الدين ؟

قال تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (256) سورة البقرة

يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِألاَّ يُكْرِهُوا أَحَدًا عَلَى الدُّخُولِ فِي الإِسْلامِ ، لأنَّ الإِسْلاَمَ بَيِّنٌ وَاضِحٌ لاَ يَحْتَاجُ إلى أنْ يُكْرَهَ أحَدٌ عَلَى الدُّخُولِ فِيهِ . وَالإِيمانُ إذْعَانٌ وخُضُوعٌ ، وَلا يَكُونَ ذَلِكَ بِالإِلْزامِ وَالإِكراهِ . وَإنما يَكونُ بِالحُجَّةِ وَالدَّليلِ وَالبُرْهَانِ ، وَقَدْ ظَهَرَ أنَّ فِي هذا الدِّينِ الرُّشْدَ والصَّلاَحَ ، وَأنَّ مَا خَالَفَهُ مِنَ المِلَلِ الأخْرى غَيٌّ وَضَلالٌ .

فَمَنْ كَفَرَ بِالأَنْدَادِ وَالأَوْثَانِ وَمَا يَدْعُو إِلَيهِ الشَّيْطَانُ مِنْ عِبِادَةِ كُلِّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ ( أَيْ وَمَنْ كَفَرَ بِمَا تَكُونُ عِبَادَتُهُ وَالإِيمَانُ بِهِ سَبَبًا فِي الطُّغْيَانِ وَالخُرُوجِ عَنِ الحَقِّ مِنْ عِبَادَةِ مَخْلُوقٍ ) فَقَدْ ثَبَتَ أَمْرُهُ ، وَاسْتَقَامَ عَلَى الطَّرِيقَةِ المُثْلَى ، وَأَمْسَكَ بِأوْثَقِ عُرَى النَّجَاةِ التي تَمْنَعُهُ مِنَ التَّرَدِّي فِي مَهَاوِي الضَّلاَلاَتِ .وَاللهُ سَمِيعٌ لأَقْوَالِ مَنْ يَدَّعِي الكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ ، وَالإِيمَانَ بِاللهِ . عَلِيمٌ بِمَا يُكِنُّهُ قَلْبُهُ مِمّا يُصَدِّقُ هَذا أوْ يُكَذِّبُهُ . [1]

وقال السعدي:"يخبر تعالى أنه لا إكراه في الدين لعدم الحاجة إلى الإكراه عليه، لأن الإكراه لا يكون إلا على أمر خفية أعلامه، غامضة أثاره، أو أمر في غاية الكراهة للنفوس، وأما هذا الدين القويم والصراط المستقيم فقد تبينت أعلامه للعقول، وظهرت طرقه، وتبين أمره، وعرف الرشد من الغي، فالموفق إذا نظر أدنى نظر إليه آثره واختاره، وأما من كان سيئ القصد فاسد الإرادة، خبيث النفس يرى الحق فيختار عليه الباطل، ويبصر الحسن فيميل إلى القبيح، فهذا ليس لله حاجة في إكراهه على الدين، لعدم النتيجة والفائدة فيه، والمكره ليس إيمانه صحيحا، ولا تدل الآية الكريمة على ترك قتال الكفار المحاربين، وإنما فيها أن حقيقة الدين من حيث هو موجب لقبوله لكل منصف قصده اتباع الحق، وأما القتال وعدمه فلم تتعرض له، وإنما يؤخذ فرض القتال من نصوص أخر، ولكن"

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 263)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت