كَسْرِ شَوْكَتِهِمْ ، فَحِينَئِذٍ يَنْبِذُونَ إلَيْهِمْ وَيُقَاتِلُونَهُمْ ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ إنْظَارِ الْمُعْسِرِ إلَى الْمَيْسَرَةِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ } .
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: وَادِعُونَا عَلَى أَنْ نُعْطِيَكُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَالًا مَعْلُومًا عَلَى أَنْ تُجْرُوا عَلَيْنَا أَحْكَامَكُمْ ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي الْمُوَادَعَةُ عَلَى ذَلِكَ ، لِأَنَّهُمْ لَا يَلْتَزِمُونَ شَيْئًا مِنْ أَحْكَامِنَا ، وَإِنَّمَا يَنْتَهِي الْقِتَالُ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْتِزَامِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ ، وَالرِّضَا مِنْهُمْ بِالْمُقَامِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مَقْهُورِينَ ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الْمُحَارَبَةِ أَصْلًا ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِيمَا طَلَبُوا ، وَلِأَنَّهُمْ لَوْ أُجِيبُوا إلَى ذَلِكَ رُبَّمَا يَظُنُّونَ أَنَّا إنَّمَا نُقَاتِلُهُمْ طَمَعًا فِي أَمْوَالِهِمْ ، بَلْ لَا يَشُكُّونَ فِي ذَلِكَ ، وَلَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقْصِدُوا ذَلِكَ أَوْ يُظْهِرُوهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ .
إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ شَوْكَةٌ شَدِيدَةٌ فَحِينَئِذٍ تَجُوزُ الْمُوَادَعَةُ مَعَهُمْ بِغَيْرِ مَالٍ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ ، فَلَأَنْ يَجُوزَ بِمَالٍ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ كَانَ أَوْلَى .وَهَذَا الْمَالُ لَا يُؤْخَذُ عِوَضًا عَنْ تَرْكِ الْقِتَالِ ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ لِأَنَّ مَالَهُمْ مُبَاحٌ لَنَا .فَبِاعْتِبَارِ تِلْكَ الْإِبَاحَةِ يُؤْخَذُ هَذَا الْمَالُ مِنْهُمْ ." [1] "
(1) - شرح السير الكبير - (ج 1 / ص 195)