البيئة - أن تقع معركة ومقتلة في كل بيت .. ثم يقال: هذا هو الإسلام! ولقد قيلت حتى والإسلام يأمر بالكف عن القتال!
فقد كانت دعاية قريش في الموسم ، في أوساط العرب القادمين للحج والتجارة: إن محمدا يفرق بين الوالد وولده فوق تفريقه لقومه وعشيرته! فكيف لو كان كذلك يأمر الولد بقتل الوالد ، والمولى بقتل الولي .. في كل بيت وكل محلة؟
«د» وربما كان ذلك أيضا ، لما يعلمه اللّه من أن كثيرين من المعاندين الذين يفتنون أوائل المسلمين عن دينهم ، ويعذبونهم ويؤذونهم هم بأنفسهم سيكونون من جند الإسلام المخلص ، بل من قادته .. ألم يكن عمر ابن الخطاب من بين هؤلاء؟!
«هـ» وربما كان ذلك ، أيضا ، لأن النخوة العربية ، في بيئة قبلية ، من عادتها أن تثور للمظلوم ، الذي يحتمل الأذى ، ولا يتراجع! وبخاصة إذا كان الأذى واقعا على كرام الناس فيهم .. وقد وقعت ظواهر كثيرة تثبت صحة هذه النظرة - في هذه البيئة - فابن الدغنة لم يرض أن يترك أبا بكر - وهو رجل كريم - يهاجر ويخرج من مكة ، ورأى في ذلك عارا على العرب!
وعرض عليه جواره وحمايته ... وآخر هذه الظواهر نقض صحيفة الحصار لبني هاشم في شعب أبي طالب ، بعد ما طال عليهم الجوع واشتدت المحنة .. بينما في بيئة أخرى من البيئات ذات الحضارة القديمة التي مردت على الذل ، قد يكون السكوت على الأذى مدعاة للهزء والسخرية والاحتقار من البيئة وتعظيم المؤذي الظالم المعتدي!
«و» وربما كان ذلك أيضا ، لقلة عدد المسلمين حينذاك ، وانحصارهم في مكة. حيث لم تبلغ الدعوة إلى بقية الجزيرة. أو بلغت أخبارها متناثرة حيث كانت القبائل تقف على الحياد ، من معركة داخلية بين قريش وبعض أبنائها ، حتى ترى ماذا يكون مصير الموقف .. ففي مثل هذه الحالة قد تنتهي المعركة المحدودة ، إلى قتل المجموعة المسلمة القليلة - حتى ولو قتلوا هم أضعاف من سيقتل منهم - ويبقى الشرك ، وتنمحي الجماعة المسلمة. ولم يقم في الأرض للإسلام نظام ، ولا وجد له كيان واقعي .. وهو دين جاء ليكون منهج حياة ، وليكون نظاما واقعيا عمليا للحياة.