على أن الله قد أحلّ قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها من شهور السنة كلها. وكذلك أجمعوا على أن المشرك لو قَلَّد عنقه أو ذراعيه لحاء جميع أشجار الحرم، لم يكن ذلك له أمانًا من القتل، إذا لم يكن تقدَّم له عقد ذمة من المسلمين أو أمان" [1] "
والجواب عن جميع الشبهات التي أُوردت مما يستندون فيه إلى القرآن لا يخرج عن هذه الأصول:
الأصل الأوَّل: أنَّ مفهوم الآيات التي تأمر بقتالٍ أخصَّ من قتال الطلب، لا ينفي قتال الطلب لوروده بمنطوق نصوص أخرى.
فمن يستدلُّ بقوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا} (75) سورة النساء وقوله: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ} (190) سورة البقرة، وقوله: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} (39) سورة الحج، يصحُّ له الاستدلال بها على القتال لدفع العدو الصائل، والدفاع عن المؤمنين المستضعفين، ولكن ليس له الاستدلال بذلك على نفي ما عدا قتال الدفع بدلالة مفهوم المخالفة، للمنطوق الصريح في نصوص أخرى والمفهوم مطلقٌ لا يعمُّ، لاعتماد دلالته على الافتقار إلى سبب تخصيص المنطوق بالحكم، والافتقارُ يزول بأي سببٍ، وإذا كان مطلقًا فمتى عارضه المنطوقُ الخاصُّ كان قاطعًا مبيّنًا له، والخاصُّ يقضي عليه ولو كان عامًّا فكيف وهو مطلقٌ؟
فكل ما كان من هذا الجنس من النصوص، فلا فرق فيه بين أن يتقدَّم أو يتأخَّر عن فرض جهاد الطلب، من جهة أنَّه لا تنافي بينهما.
الأصل الثاني: أنَّ نصوص القتال على مراحل ثلاثٍ:
مرحلةٍ أُمر فيها بالكفِّ عن قتال الكفَّار مطلقًا، ومرحلةٍ أُمر فيها بقتال من قاتلنا من الكفَّار، والمرحلة الثالثة أُمر فيها بقتال الكفَّار كافَّة حتى يُسلموا، ونسخت آية السيف وما
(1) - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة - (9 / 479)