الناظر في اتهامات المخالفين لـ"هيئة تحرير الشام"ونقدهم لها على استعمالها مصطلح"الثورة"يتوهم أن الجماعة قد انحرفت وباعت دينها، وتركت الجهاد في سبيل الله - عز وجل -، والذي غايته إعلاء كلمته وتحكيم شريعته وإقامة دينه في الأرض، وأنها قد ذهبت إلى غير ذلك من أنواع القتال الدنيوي الذي يهدف لتحقيق مقاصد دنيوية مباينة للجهاد ومقاصده.
لكن الباحث المتجرد عند مراجعته للخطابات الرسمية للهيئة وتأمله فيها، يجد أنها لم تخالف ما ذكرناه عن شيوخ وقادة الجهاد الأوائل الذين يتمسح البعض بهم ويتباكى على ضياع منهجهم، رغم أن كتابات هؤلاء الشيوخ طافحة بما يثبت صواب مسار الهيئة وبطلان منهج هؤلاء المخالفين، لكن الهوى يُعمي صاحبه ولاشك.
وقد جمعتُ بعض النصوص الواردة في بيانات هيئة تحرير الشام، والتي أثارت انتقاد البعض، وكان بعضها سببًا فيما تم اتهام الهيئة به، ليتبين للباحث المتجرد توافق هذه البيانات في الأسلوب مع ما أوردناه من كلام شيوخ وقادة الجهاد الأوائل، وأن الهيئة لم تستبدل"الثورة"بـ"الجهاد"كما اتهمها البعض، وإنما وصفت الواقع وخاطبت الناس بما يعقلون كما فعل من سبقها من الشيوخ الصادقين، بل لا أبالغ لو قلت إن كلام شيوخ الجهاد الذي نقلناه عنهم فيه من التمجيد والتعظيم لـ"الثورات"ما لا يوجد في بيانات الهيئة في تعبيرها عن"الثورة"، فلو كان هناك داع للملامة، لكان شيوخ الجهاد هم الأولى بذلك! [1] ، وإلا فهو التناقض والعصبية واتباع الهوى.
1 -جاء في البيان الأول التأسيسي لـ"هيئة تحرير الشام"ما نصه: (وإننا ندعوا جميع الفصائل العاملة في الساحة لإتمام هذا العقد والالتحاق بهذا الكيان، جمعًا للكلمة وحفظًا لمكتسبات الثورة والجهاد، ليكون هذا المشروع نواة تجمع مقدرات الثورة، وتحفظ خط سيرها، وتحقق أهدافها المنشودة بإسقاط النظام المجرم، وليعيش أهل الشام بعزة وكرامة في ظل شريعة الرحمن) [2] .
ويُلاحظ أن البيان ذكر الثورة مقرونة بالجهاد، ودعا لحفظ مكتسباتهما وخط سيرهما، مؤكدًا على تحقيق مقاصد الجهاد بتحكيم الشريعة .. (وليعيش أهل الشام بعزة وكرامة في ظل شريعة الرحمن) .
2 -جاء في بيان القتال مع خوارج"لواء الأقصى"ما يبين سير الجماعة على الجهاد وعدم تخليها عنه، ومن ذلك قول البيان: (لا يزال أهل الجهاد في شام الرباط يخوضون معاركهم ضد الباطل وأهله، بدأوا جهادهم ضد نظام مجرم طاغية، نصرة للمظلوم ونشرًا للعدل، جهاد سني وسط بين أهل الإفراط والتفريط، هاديهم في ذلك كتاب ربهم وسنة نبيهم ... وبعد ما قدمنا من محاربة المشاريع العلمانية وإجهاضها في مهدها والتصدي
(1) هذا الكلام نذكره على سبيل التنزل جدلًا مع المخالفين، وليس على سبيل الإقرار به.
(2) بيان تشكيل هيئة تحرير الشام، بتاريخ 30 ربيع الآخر 1438 هـ - 28 كانون الثاني 2017 م.