الصفحة 10 من 40

فالثورة كلمة عربية فصحى، نقول ثار البركان وثوران البركان، وهي تعني تغيير الوضع برمته، فعندما تقول حصل في المنطقة الفلانية ثورة، فالسياسي يفهم أنه هناك عملية تغيير جذري سياسي شامل، فهذا اصطلاح قديم يغطي هذا المعني، ومثله مصطلح الفكر، ولا أرى فيه شيء والله أعلم، ومن يرى فيها شيء فيستطيع أن يعبر عن المعنى بأساليب أخرى) [1] .

والقصد أنه لا يصح قياس استعمال مصطلح"الثورة الإسلامية"أو"الثورة الجهادية"على غيره من المصطلحات المعاصرة التي نرفضها لتضمنها معنى باطلًا لا يُقرِّهُ الإسلام ولا يلتقي معه بحال، كمصطلح الديمقراطية والعلمانية والاشتراكية والقومية وغيرها، فلا يصح أن يقال"الديمقراطية الإسلامية"أو"الإسلام الديمقراطي"أو"اشتراكية الإسلام"أو غير ذلك، وهذا واضح لا يحتاج لكثير بسط وتفصيل، وأما مصطلح"الثورة"أو"الثورة الإسلامية"أو"الثورة الجهادية"فقد استعمله بعض مشايخ الجهاد كما سيأتي في موضعه.

* حكم استعمال مصطلح"الثورة"شرعًا:

عند الحديث عن الحكم الشرعي لاستعمال مصطلح"الثورة"ينبغي التفريق بين استعمال المصطلحات في مقام التأصيل أو الفتيا وبناء الأحكام الشرعية التعبدية، فهذا المقام ينبغي فيه الالتزام بالمصطلحات والأوصاف الشرعية التي عرَّفها العلماء وحدُّوها وضبطوها، وبين استعمال المصطلحات في سياق الكلام العام الذي لا يُنشئُ أحكامًا شرعية، وإنما هو من باب تقريب المعنى ومخاطبة الناس بما يعرفون ويفهمون على قدر عقولهم، فهذا الباب يسع فيه ما لا يسع في غيره، ولا يُمنع فيه استعمال المصطلحات التي يفهمها العامة ولو كانت غير شرعية - أي لم ترد في القرآن أو السنة أو كلام الفقهاء -، طالما لم تكن محرمة ولم تُنشئ في الأذهان معانٍ باطلة، ويقال في مثل ذلك: (لا مشاحة في الاصطلاح) [2] .

(1) تفريغ دورة"مقومات التنظيم ودور المنهج"، ص 63 - 64.

(2) مع التنبيه إلى أن هذه القاعدة لا تصح على إطلاقها في مقام التأصيل والفتيا، بل لها ضوابط وشروط، فهناك من المصطلحات ما فيها مشاحة، وذلك كالمصطلحات المتضمنة لمعانٍ باطلة، والمصطلحات غير معلومة الحد والضابط، وأما ما كان من المصطلحات مُعرَّفًا ومحددًا ومنضبطًا بضوابط العلم وأهله، وليس فيه معانٍ باطلة، فهذا لا مشاحة فيه، طالما عُلِمَ تعريفه وحدّه وضابطه، وهذا يعلمه طلبة العلم ومقرر لديهم، والمجادل فيه مفضوح.

وقد استعمل البعض هذه القاعدة"لا مشاحة في الاصطلاح"في رده على مقالي السابق"مصطلحات خاطئة بين المجاهدين"والذي اعترضت فيه على استعمالهم لمصطلحات التميع والتلون في مقام الفتيا والتأصيل، ولاشك أنه من الخطأ استدلالهم بهذه القاعدة في هذا الموضع، وقد بينت في المقال وجه الاعتراض على استعمال هذه المصطلحات بهذه الصورة، لكن بعض من أراد الرد اعتمد هذه القاعدة لإثبات صحة كلامه، والصحيح أن القاعدة عليه لا له، كما يعرف ذلك من يعلم ضوابطها، وليس للمخالف أن يُنكِر علينا استعمالها هنا، لأن استعمالنا لها جاء في غير محل الأحكام الشرعية التعبدية كما ذكرنا.

ووجه خطأ من استعمل هذه القاعدة في الرد علينا أن إعمالها يكون فيما لو حصل الاتفاق على المعنى، واختُلِفَ في التسمية أو اللفظ، فلابد إذن من تقدير تتمة لهذه القاعدة، وهي: (بعد الاتفاق على المعنى) ، ولهذا عبَّر عنها بعض العلماء بصيغة أخرى، فقالوا: (لا مشاحة في الألفاظ بعد معرفة المعاني) ، وهذه القاعدة لها شروط كذلك، منها ألا يكون في هذا الاصطلاح مخالفة لشيء من أحكام الشريعة، وألا يترتب على هذا الاصطلاح الوقوع في مفسدة اختلاط المصطلحات. [مجلة الأصول والنوازل - قاعدة"لا مشاحة في الاصطلاح"، ص 102 - 108، بتصرف] ، كما قال الإمام ابن القيم ~: (والاصطلاحات لا مشاحة فيها إذا لم تتضمن مفسدة) . [مدارج السالكين، 5/ 3518] ، وهذه الضوابط وغيرها لم يلتزم بها المخالفون كما هو معلوم وأوضحناه في المقال المذكور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت