فإذا فهمنا هذا يصبح تعريف"الثورة"ليس غريبًا عن الإسلام, وليس غريبًا عن المسلمين) [1] .
كذلك فقد تكلم الأستاذ أبو الأعلى المودودي ~ حول اعتبار الدعوات حركة ثورية انقلابية، في رسالته"الجهاد في سبيل الله"، ونقله عنه الأستاذ سيد قطب في"ظلال القرآن"، فقال: (الحقيقة أن الإسلام ليس بنحلة كالنحل الرائجة، وأن المسلمين ليسوا بأمة كأمم العالم، بل الأمر أن الإسلام فكرة انقلابية ومنهاج انقلابي يريد أن يهدم نظام العالم الاجتماعي بأسره ويأتي بنيانه من القواعد، ويؤسس بنيانه من جديد حسب فكرته ومنهاجه العملي، ومن هناك تعرف أن لفظ"المسلم"وصف للحزب الانقلابي العالمي الذي يكونه الإسلام، وينظم صفوفه، ليكون أداة في إحداث ذلك البرنامج الانقلابي الذي يرمي إليه الإسلام، ويطمح إليه ببصره، والجهاد عبارة عن الكفاح الانقلابي عن تلك الحركة الدائبة المستمرة التي يقام بها للوصول إلى هذه الغاية، وإدراك هذا المبتغى) [2] .
وقال أيضًا: (إن دعوة الإسلام إلى التوحيد، وعبادة اللّه الواحد، لم تكن قضية كلامية، أو عقيدة لاهوتية فحسب شأن غيره من النحل والملل، بل الأمر أنها كانت دعوة إلى انقلاب اجتماعي) [3] .
وقال الشيخ أبو مصعب السوري أيضًا: (بعض الإخوة أعابوا على"المذكرة السورية"استخدام مصطلح"الثورة"، وكأن موضوع الثورة حصر على الشيوعيين واليساريين، طبعًا هذا الكلام قيل لأنهم وجدوا استخدام الشيوعيين لهذا المصطلح، فأرادوا إلغاء هذه الكلمة من القاموس.
الثورة عبارة عن نوع من أنواع الجهاد، والجهاد يُفهم منه جهاد الكلمة، ويُفهم منه جهاد النفس، فكلمة الجهاد قد يُفهم منها معاني متعددة، ولكن الثورة هي"العمل الانقلابي الذي يقوم على أصول تغييرية كاملة"، هذا هو تعريفها السياسي؛ وليس في المصطلحات الشرعية ما يغطي هذا المعني، فالثورة يمكن أن تكون جهاد ويمكن أن تكون ضلال، فعندما نقول ثورة جهادية، يعني أنها جهاد في سبيل الله، فأصبح مصطلح إسلامي.
فكثير من الإخوة [4] - نتيجة تجربة معينة - يَتعَقَّدُون من مصطلحات خاصة، وأنا شخصيًّا لا أرى أن في هذا غضاضة واستفتيت فيها فلم أجد دليلًا شرعيًّا في منع استخدام المصطلحات العربية الفصيحة.
(1) تفريغ سلسلة"شرح كتاب حرب المستضعفين"، ص 15.
(2) في ظلال القرآن، 3/ 1446، بتصرف يسير.
مع التنبيه إلى أن الأستاذ أبي الأعلى المودودي ~ قد أشار بعد هذه الفقرة إلى تميز الإسلام بمصطلحاته الخاصة، ومثَّلَ لذلك بأنه يستعمل مصطلح"الجهاد"بدلًا من مصطلح"الحرب"، باعتبار أن لكل منهما مدلوله الخاص به، لكن هذا التميز - كما سنبين - إنما هو في مقام التأصيل، وسيأتي الحديث عن هذه المسألة في موضعها من الرسالة.
(3) المصدر السابق، 3/ 1448.
(4) في الأصل: فكتير الإخوة، وما أثبتناه أنسب للسياق.