الصفحة 11 من 40

وأما استعمال المصطلحات في مقام الخصومة النفسية والتنابز بالألقاب، فهذا لاشك أنه غير جائز، سواء في ذلك المصطلحات الشرعية أو غير الشرعية، إذ التنابز بالألقاب محرم على كل حال، كما قال الله تعالى: {وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ} [1] .

ومخاطبة الناس بما يعرفون مما جاءت به الشريعة، وله أصل في سيرة النبي (، ومن ذلك ما جاء في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن رجل من أصحاب النبي (أن كفار قريش كتبوا إلى ابن أُبَيٍّ ومن كان يعبد معه الأوثان من الأوس والخزرج، ورسول الله (يومئذٍ بالمدينة قبل وقعة بدر:(إنكم آويتم صاحبنا، وإنا نُقسِمُ بالله لتقاتلنه أو لتخرجنه أو لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم ونستبيح نساءكم) ، فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبي ومن كان معه من عبدة الأوثان اجتمعوا لقتال النبي (، فلما بلغ ذلك النبي (لقيهم فقال:

(1) الحجرات: 11.

وهذا التفريق هو ما قصدته في مقالي السابق: (مصطلحات خاطئة بين المجاهدين) عند الاعتراض على مصطلحات (التلون والتميع والضبابية) وغيرها من المصطلحات التي أساء البعض استعمالها، وأطلقها بلا ضوابط في مواضع لا يصح إطلاقها فيه، فأخطأ البعض في فهم مرادي من المقال بعد أن أخطأ في استعمال هذه الألفاظ، فجاء بردود على المقال لا ترقى للرد عليها ومناقشتها، لأنها جاءت ضعيفة بعيدة عن محل النزاع، فلم أقصد في مقالي منع استعمال هذه المصطلحات بالكلية، وإنما قصدت منعها في مقام الفتاوى وبناء الأحكام الشرعية، وكذلك في مقام الخصومة النفسية والتنابز بالألقاب، وهذا غاية في الوضوح لمن قرأ مقالنا، ومن ذلك ما ذكرته ص 8: (ووصفنا لهذه المصطلحات بالبدعية، ليس لذاتها، وإنما لاستعمال أصحابها لها بدلًا عن الأوصاف الشرعية، في محل الأحكام الدينية، مع عدم وجود المقتضي لذلك، ومعلوم أن الأسماء والأحكام توقيفية تعبدية) ، وقلت في موضع آخر ص 9: (فليس المراد من كلامنا المنع من استعمال هذه المصطلحات مطلقًا، وإنما المراد المنع من استعمالها بدلًا عن الأوصاف الشرعية في محل الأحكام الدينية، مع عدم وجود المقتضي لذلك، لأن الخروج عن الأوصاف الشرعية، هو خروج عن الأحكام الشرعية التعبدية، وهو وقوع في البدعة والهوى. وأما استعمال بعض هذه المصطلحات في سياق الزجر والتوبيخ، وفي غير محل الأحكام الشرعية، فلا بأس به، ما لم يصل إلى الاستبدال، إذ {لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ} [يونس: 64] ) ، وهذا الذي ذكرته في مقالي يُبيِّن خطأ من استدل بكلام الشيخ أبي يحيى الليبي ~ في رده على مقالي، فالشيخ أبو يحيى وغيره من المشايخ قد استعملوا هذه الألفاظ في سياق الكلام العام الذي يُراد به الزجر والتوبيخ، ولم يستعملوها في سياق التأصيل والفتيا وبناء الأحكام الشرعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت