الصفحة 12 من 40

{لَقَدْ بَلَغَ وَعِيدُ قُرَيشٍ مِنْكُمُ المَبَالِغَ، مَا كَانَتْ تَكِيدُكُم بِأَكْثَرَ مِمَّا تُرِيدُونَ أَنْ تَكِيدُوا بِهِ أَنْفُسَكُم، تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا أَبْنَاءَكُم وَإِخْوَانَكُمْ} ، فلما سمعوا ذلك من النبي (تفرقوا [1] .

والشاهد في ذلك أن النبي (قال لهم: {تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا أَبْنَاءَكُم وَإِخْوَانَكُمْ} ، مع كونهم كفارًا مشركين، والصحابة مسلمون مؤمنون، ومعلوم أنه لا أُخُوةَ بين المسلم والكافر، وإنما {المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِم} [2] كما أخبر النبي (، ومعلوم كذلك أن من أول ما فعله النبي (بعد هجرته إلى المدينة وبنائه المسجد أن أرسى روابط الأُخوة الإيمانية، وذلك بمؤاخاته بين المهاجرين والأنصار، ومعلوم كذلك أن النبي (هو من قال عن العصبيات الجاهلية: {دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ} [3] ، لكن لما كان القوم لا يفهمون رابطة الأُخوة الإيمانية، خاطبهم النبي (برابطة الأخوة القبلية التي يفهمونها، وذلك لأن مصلحة دفع شرهم لا تتحقق إلا بهذا النوع من الخطاب، ولا يعني هذا أن الإسلام يُقر رابطة الأخوة القبلية أو أنه يدعو لها، ولكنه مراعاة عقول الناس وأفهامهم.

أما حين وقع الشر بين المسلمين ودخل الشيطان للتحريش بينهم، خرج عليهم النبي (ليخاطبهم برابطة الأخوة الإيمانية، لأن هذا هو الخطاب الذي يفهمونه ويتأثرون به ويستجيبون له، وذلك كما روى ابن هشام في"السيرة النبوية"قال: (قال ابن إسحاق: ومرَّ شاس بن قيس - وكان شيخًا قد عسا، عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم - على نفر من أصحاب رسول الله (من الأوس والخزرج، في مجلس قد جمعهم، يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من أُلفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال:(قد اجتمع ملأ بني قَيْلَة [4] بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار) ، فأمر فتىً شابًا معه من يهود كان معهم، فقال: (اعمد إليهم، فاجلس معهم، ثم اذكر يوم بُعاث وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولون فيه من الأشعار) ، ففعل، فتكلم القوم عند ذلك، وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الرُّكب، فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: (إن شئتم رددناها الآن جَذَعَة) ، فغضب الفريقان جميعًا، وقالوا: (قد فعلنا، موعدكم الظاهرة - والظاهرة: الحرة -، السلاحَ السلاحَ) ، فخرجوا إليها، فبلغ ذلك رسول الله (، فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم، فقال: {يا معشر المسلمين، الله الله، أبدعوى الجاهلية، وأنا بين أظهركم، بعد أن هداكم الله للإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألَّفَ بين قلوبكم!} ،

(1) سنن أبي داود (3004) .

(2) صحيح مسلم (32/ 2564) .

(3) صحيح البخاري (4905) .

(4) يقصد الأوس والخزرج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت