فبعض خطابات الهيئة تكون صادرة عن القيادة العامة، وبعضها عن مجلس الفتوى، وبعضها عن إدارة الشؤون السياسية، وغير ذلك، هذا بالنسبة لاختلاف نوع الخطاب، وأما بالنسبة لاختلاف حال المخاطب، فبعض الخطابات تكون موجهة لمجاهدي الهيئة، وبعضها لعامة المسلمين من أهل الشام، وبعضها للجماعات المخالفة التي يراد تأليف قلوب أتباعها، وبعضها لأعداء هذا الدين سواء كانوا من الشيعة والنصيرية أو من زعماء الغرب الكافر أو غيرهم.
وقد تقدم معنا في مطلع هذه الرسالة أن الخطابات أنواع والناس معادن، وأنه ينبغي مراعاة تغير نوع الخطاب وأحوال المخاطبين، فخطاب التأصيل الفقهي أو الفتيا الشرعية يختلف عن خطاب الدعوة والتحريض، يختلف عن خطاب الإعلام والسياسة، وكذلك الخطاب الذي يكون لأصحاب العلم والفقه والرأي يختلف عن الخطاب الذي يكون للعوام، يختلف عن الخطاب الذي يكون للمنافقين أو الخصوم والأعداء المتربصين، والخطاب الذي يكون للخصوم المحاربين يختلف عن الخطاب الذي يراد منه تحييد الخصوم والأعداء، وغير ذلك من أوجه الاختلاف المتعددة، وهذا الاختلاف ليس في المبادئ، وإنما هو في الصياغة والألفاظ، وهذا اختلاف مشروع لا إشكال فيه.
ولاشك أن هذا التغير في نوع خطاب الهيئة والجهة الصادر عنها، وكذلك في حال المخاطَب، يتبعه لزامًا تغير في صياغة وألفاظ الخطاب، ولا يعني هذا تلونًا وتمييعًا للحق وضبابيةً في المواقف كما يسميه البعض، وإنما هو من الحكمة التي عرَّفها الإمام ابن القيم ~ بأنها: (فعل ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي في الوقت الذي ينبغي) [1] ، فالصواب والحكمة تقتضي أن يُفهم هذا التنوع والتغير في صياغة الخطاب على الوجه الذي ذكرناه وتقدم معنا في مطلع الرسالة.
(1) مدارج السالكين، 4/ 2669.