فهرس الكتاب

الصفحة 237 من 351

أنذرهم يوم يأتيهم ذلك العذاب المرسوم آنفًا فيتوجه الذين ظلموا يومئذ إلى الله بالرجاء يقولون"رَبَّنَا"الآن وقد كانوا يكفرون به من قبل ويجعلون له أندادًا"أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ"وهنا ينقلب السياق من الحكاية إلى الخطاب كأنهم ماثلون شاخصون يطلبون وكأننا في الآخرة قد أنطوت الدنيا وما كان فيها، فها هو ذا الخطاب يوجه إليهم من الملأ الأعلى بالتبكيت والتأنيب والتذكير بما فرط منهم في تلك الحياة."أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ"فكيف ترون الآن؟ زلتم يا ترى أم تزولوا؟ ولقد قلتم قولتكم هذه وآثار الغابرين شاخصة أمامكم مثلًا بارزًا للظالمين ومصيرهم المحتوم"وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ"فكان عجبًا أن تروا مساكن الظالمين أمامكم خالية منهم وأنتم فيها خلفاء، ثم تقسمون مع ذلك"مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ"وعند هذا التبكيت ينتهي المشهد، وندرك أين صاروا وماذا كان بعد الدعاء وخيبة الأمل وإن هذا المثل ليتجدد في الحياة ويقع كل حين فكم من طغاة يسكنون مساكن الطغاة الذين سكنوا من قبلهم وربما يكونون قد هلكوا على أيديهم. ثم هم يطغون بعد ذلك ويتجبرون ويسيرون حذوك النعل بالنعل سيرة الهالكين، فلا تهز وجدانهم تلك الآثار الباقية التي يسكنونها والتي تتحدث عن تاريخ الهالكين وتصور مصايرهم للناظرين، ثم يؤخذون أخذة الغابرين ويلحقون بهم، وتخلوا منهم الديار بعد حين [1] .

(1) في ظلال القرآن (4/ 2112)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت