فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 173

(والثاني) : أن الظن هنا هو ترجيح أحد النقيضين على الآخر من غير دليل مرجح. ولا شك أنه مذموم هنا لأنه من التحكم , ولذلك أتبع في الآية بهوى النفس في قوله: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ ... } [النجم: 23] فكأنهم مالوا إلى أمر بمجرد الغرض والهوى ولذلك أثبت ذمه , بخلاف الظن الذي أثاره دليل , فإنه غير مذموم في الجملة , لأنه خارج عن اتباع الهوى , ولذلك أُثبت وَعُمِلَ بمقتضاه حيث يليق العمل بمثله كالفروع.

(والثالث) : أن الظن على ضربين: ظن يستند إلى أصل قطعي , وهذه هي الظنون المعمول بها في الشريعة أينما وقعت , لأنها استندت إلى أصل معلوم , فهي من قبيل المعلوم جنسه , وظن لا يستند إلى قطعي , بل إما مستند إلى غير شيء أصلًا وهو مذموم ـ كما تقدم ـ وإما مستند إلى ظن مثله , فذلك الظن إن استند أيضًا إلى قطعي , فكالأول , أو إلى غير شيء , وهو مذموم , فعلى كل تقدير: خبر واحد صح سنده , فلا بد من استناده إلى أصل في الشريعة قطعي فيجب قبوله , ومن هنا قبلناه مطلقًا , كما أن ظنون الكفار غير مستندة إلى شيء , فلا بد من ردها وعدم اعتبارها , وهذا الجواب الأخير مستمد من أصل وقع بسطه في كتاب"الموافقات"والحمد لله.

ولقد بالغ بعض الضالين في رد الأحاديث , ورد قول من اعتمد على ما فيها حتى عدوا القول به مخالفًا للعقل , والقائل به معدود في المجانين.

«فَحَكَى أَبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ عَنْ بَعْضِ مَنْ لَقِيَ بِالمَشْرِقِ مِنَ المُنْكِرِينَ لِلرُّؤْيَةِ: أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَلْ يَكْفُرُ مَنْ يَقُولُ بِإِثْبَاتِ رُؤْيَةِ البَارِي أَمْ لاَ؟ فَقَالَ:"لاَ! لأَنَّهُ قَالَ بِمَا لاَ يَعْقِلُ، وَمَنْ قَالَ بِمَا لاَ يَعْقِلُ؛ لاَ يَكْفُرُ"!

قَالَ ابْنُ العَرَبِيِّ:"فَهَذِهِ مَنْزِلَتُنَا عِنْدَهُمْ!، فَلِيَعْتَبِرِ المُوَفَّقُ بِمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ اتِّبَاعُ الهَوَى، أَعَاذَنَا اللهُ مِنْ ذَلِكَ بِفَضْلِهِ» [13] . اهـ."

وذكر الإمام ابن قتيبة في كتابه"تأويل مختلف الحديث"كثيرًا من الشبهات الكلية والجزئية , التي أثارها أعداء السنة , وأبطلها شبهة شبهة , ولم يدعهم حتى أحال نارهم رمادًا.

(13) "الاعتصام"للشاطبي: جـ 1/ 235 - 237.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت