178…سمع القرآن ومنهم من يموت كأبي جهير الضرير وزرارة ابن أوفى قاضي البصرة" (1) ."
لقد شق الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الطريق المعتدل وأوصى به أصحابه مبلغًا عن الله وبما يتيسر له من قول وفعل وتوجيه رشيد، ولقد استجاب أصحابه له والتزموا بنصحه وتابعوا خطواته فوفقهم الله ونصرهم على لا المعتدين، بيد أنه قد خلف من بعدهم خلف أفضى بهم الهوى إلى ولوج نفق الغلو فتاهوا فيه، وتطرفوا في السياسة كما تطرفوا في الدين وسقطوا في مستنقع المغالات التي نهى عنها رب العالمين، وسببوا لأنفسهم وللأمة افسلامية في تاريخها المجيد سلسلة من المعاناة التي انتهت بهم إلى التفتت والتنازع ومن ثم إلى الضياع والهلكة.
المغالات والوثنية:
لقد كانت المغالات في الأصل سببًا عريقًا من أسباب ظهور الوثنية في الجزيرة العرية وانتشارها ومن ثم في مكة المكرمة والمدينة، فانقلب الناس فيها كما رأينا كتلًا بشرية يأكل منهم القوي الضعيف ويستغل بعضهم بعضًا، وآلت حياتهم كلها جحيمًا مستعرًا ولم يستشعروا جمال العيش وقيمة الحياة وطمأنينة المجتمع إلا بعد ظهور الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم بعد هجرته إلى المدينة حيث تمكن من العمل المتواصل لبناء المجتمع الراشد الآمن، فأخرجهم بذلك بفضل الله ونعمة الإسلام من الظلمات إلى النور.
ولقد حباهم الله تعالى على يده من الأنظمة والتشريعات ما يسر للإنسان العربي بل المسلم أن يعيش حياته التي خلقه الله لها متوسطًا معتدلًا في عبادته وفي عمله وسعيه وفي كل شؤونه وأموره لا يهمل دنياه…
(1) العبودية لابن تيمية 148 المكتب الإسلامي.