202…وكيلًا أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضلُ سبيلا) (1) .
قال الفخر الرازي:
"أم، ها هنا منقطعة معناه بل تحسب."
وذلك يدل على أن هذه المذمة أشد من التي تقدمتها حتى حقت بالإضراب عنها إليها وهي كونهم مسلوبي الأسماع والعقول لشدة عنادهم لا يصغون إلى الكلام.
وإذا سمعوه لا يتفكرون فيه فكأنه ليس لهم عقل ولا سمع البتة.
فعند ذلك شبههم بالأنعام في عدم الانتفاع بالكلام، وعدم إقدامهم على التدبر والتفكر وإقبالهم على اللذات الحاضرة الحسية وإعراضهم عن طلب السعادات الباقية العقلية" (2) ."
بل إنه تعالى جعلهم في آيات أخرى أكثر ضلالًا من الأنعام وذلك"لأن الأنعام تنقاد لأربابها وللذي يعلفها ويتعهدها، وتميز بين من يحسن إليها وبين من يسيء إليها وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها."
وهؤلاء متبعو الهوى لا ينقادون لربهم ولا يميزون بين إحسانه غليهم وبين إساءة الشيطان إليهم، ولا ينشدون الثواب والجزاء الحسن وهما أعظم لهم نفعًا، ولا يتوقون ما يفضي بهم إلى اشد العقاب وأسوأ المصير وهما من أشد ما يضر بهم ويخزيهم، فضلًا عن أنً قلوب الأنعام إن خلت من العلم فقد خلت أيضًا من الجهل، أما متبعو الهوى فقد خلت قلوبهم من العلم والحكمة.
ولكنها اتصفت بالجهل والعمى والعناد على الباطل.
ثم إنً جهل الأنعام لا يضر بأحد بينما نرى جهل متبعي الهوى قد يسبب ضررًا عظيمًا للآخرين" (3) ."
(1) الفرقان / 42 - 44.
(2) تفسير الفخر الرازي 24/ 86.
(3) تفسير الفخر الرازي 24/ 86.