130…ولكن معاوية ضاق بهم، فأرسلهم بأمر الخليفة إلى جزيرة ابن عمر، وكان واليها عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فحبسهم عيد الرحمن ووبخهم، وسخر منهم حتى كان يقول لهم متوعدًا: (أذكروا ما كنتم تذكرون لمعاوية، وحصرهم وأمشاهم بين يديه أذلاء) (1) .
وقد استطاع عبد الرحمن بن خالد أن يؤدبهم، بل ويذلهم، ويهددهم تهديدًا بلغ من نفوسهم مبلغ الذعر والفزع، فإنهم لما دخلوا عليه، وفيهم الأشتر وصعصعة بن صرحان الذي تكلم على معاوية وهدده من طرفي خفي، استقبلهم عبد الرحمن استقبالًا مروعًا مخيفًا، وقال لهم: (يا آلة الشيطان لا مرحبًا بكم ولا أهلًا قد رجع الشيطان محسورًا وأنتم بعد نشاط خسر والله عبد الرحمن إن لم يؤديكم حتى يحسركم، أنا ابن خالد بن الوليد، أنا ابن من عجمته العاجمات أنا ابن فاقئ الردة، والله لئن بلغني يا صعصعة بن ذل أن أحدًا ممن معي دق أنفك، ثم أمسك لأطيرن بك طيرة بعيدة المهوى.
وكان إذا أمر بصعصعة قال له: يا ابن الخطيئة، أعلمت أن من لم يصلحه الخير أصلحه الشر؟ مالك لا تقول كما كان يبلغني أنك تقول لسعيد ومعاوية؟؟.
فيجيبونه جميعًا، نتوب الله، أقلنا أقالك الله (2) .
وذهب الأشتر إلى المدينة بتوبته هو وإخوانه ليجددها بين يدي الخليفة وقبل الخليفة توبته، ورده إلى إخوانه، ولكنه لم يسترح من مشواره الطويل الذي أعلن فيه التوبة، حتى وجد بين أيدي إخوانه كتابًا من يزيد بن قيس الرجبي الذي تزعم الثوار بالكوفة يقول لهم: لا تضعوا كتابي من أيديكم حتى تجيئوا، واستخف الكتاب الأشتر فعصا بعد توبته، والتحق بثوار الكوفة، ونزلوا بمكان مشرف على القادسية يسمى الجرعة، وتلقوا هناك سعيد ابن العاصي وهو قادم من المدينة ولم يسمحوا له بدخول الكوفة (3) .
(1) العواصم (ص. 93) .
(2) الطبري (4/ 321) .
(3) المرجع نفسه (4/ 332) .