وجود خطأ ما لدى العالم لا يعني خروجه عن أهل الحديث، و لا يبرر إخراجه عنهم؛ لأن كونه من أهل الحديث لا يعني عصمته من الوقوع في الخطأ والزلل. وقد اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطأ بعضهم بعضًا، ونظر بعضهم في أقاويل بعض، وتعقبها! [1] .
والأصل: أن ينظر في منهج العالم وطريقته في العلم؛ هل مبناها على تقديم الحديث والأثر والاتباع (التفقه في القرآن والسنة على ضؤ ما كان عليه السلف الصالح رضوان الله عليهم) ؛ فإن كان كذلك فهو من أهل الحديث، ويُرَد ما أخطأ فيه.
قال ابن تيمية رحمه الله:"فإن أهل الحق والسنة لا يكون متبوعهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي {لاينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} ، فهو الذي يجب تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، وليست هذه المنزلة لغيره من الأئمة، بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن جعل شخصًا من الأشخاص غير رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحبه ووافقه كان من أهل السنة والجماعة، ومن خالفه كان من أهل البدعة والفرقة - كما يوجد ذلك في الطوائف من اتباع أئمة في الكلام في الدين وغير ذلك - كان من أهل البدع والضلال والتفرق [2] "اهـ.
(1) انظر جامع بيان العلم وفضله لابن عبدالبر (2/ 84) .
(2) وهذا يدرجهم في حديث الافتراق، فهم من الفرق الهالكة بخلاف الفرقة الناجية. ويلاحظ أن هذا من باب نصوص الوعيد، فالفرق المتوعدة بالنار، في قوله صلى الله عليه وسلم:"كلها في االنار إلا واحدة"هذا عذابها إن شاء الله عذابها وإن شاء غفر لها، كما قال تعالى: {إن الله لا يغفر إن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء:48] . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (7/ 217 - 218) :"ليس في الكتاب والسنة: المظهرون للإسلام إلا قسمان: مؤمن أو منافق. فالمنافق في الدرك الأسفل من النار. والآخر مؤمن. ثم قد يكون ناقص الإيمان فلا يتناوله الاسم المطلق. وقد يكون تام الإيمان."
ثم قال رحمه الله: المقصود هنا أنه لا يجعل أحد بمجرد ذنب يذنبه و لا ببدعة ابتدعها - ولو دعا الناس إليها - كافرًا في الباطن، إلا إذا كان منافقًا. فأمّا من كان في قلبه الإيمان بالرسول وما جاء به، وقد غلط في بعض ما تأوله من البدع، فهذا ليس بكافر أصلًا. والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة وقتالًا للأمة وتكفيرًا لها، ولم يكن في الصحابة من يكفرهم لا علي بن أبي طالب ولا غيره. بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين. ... وكذلك سائر الثنتين والسبعين فرقة، من كان منهم منافقًا فهو كافر في الباطن، ومن لم يكن منافقًا بل كان مؤمنًا بالله ورسوله في الباطن لم يكن كافرًا في الباطن، وإن أخطأ التأويل كائنًا ما كان خطؤه؛ وقد يكون في بعضهم شعبة من شعب النفاق و لا يكون فيه النفاق الذي يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار. ومن قال: إن الثنتين والسبعين فرقة كل واحد منهم يكفر كفرًا ينقل عن الملة فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، بل واجماع الأئمة الأربعة وغير الأربعة، فليس فيهم من كفر كل واحد من الثنتين وسبعين فرقة، وإنما يكفر بعضهم بعضًا ببعض المقالات، كما قد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع"اهـ"