كما جاء في عبارات السلف إطلاق الرأي على أصحاب المقالات البدعية كمقالة الخوارج. عن يَزِيدُ الْفَقِيرُ قَالَ: كُنْتُ قَدْ شَغَفَنِي رَأْيٌ مِنْ رَأْيِ الْخَوَارِجِ فَخَرَجْنَا فِي عِصَابَةٍ ذَوِي عَدَدٍ نُرِيدُ أَنْ نَحُجَّ ثُمَّ نَخْرُجَ عَلَى النَّاسِ قَالَ فَمَرَرْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ فَإِذَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ جَالِسٌ إِلَى سَارِيَةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَإِذَا هُوَ قَدْ ذَكَرَ الْجَهَنَّمِيِّينَ قَالَ فَقُلْتُ لَهُ يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ مَا هَذَا الَّذِي تُحَدِّثُونَ وَاللَّهُ يَقُولُ {إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} وَ {كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا} فَمَا هَذَا الَّذِي تَقُولُونَ قَالَ فَقَالَ أَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَهَلْ سَمِعْتَ بِمَقَامِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَام يَعْنِي الَّذِي يَبْعَثُهُ اللَّهُ فِيهِ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَإِنَّهُ مَقَامُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَحْمُودُ الَّذِي يُخْرِجُ اللَّهُ بِهِ مَنْ يُخْرِجُ قَالَ ثُمَّ نَعَتَ وَضْعَ الصِّرَاطِ وَمَرَّ النَّاسِ عَلَيْهِ قَالَ وَأَخَافُ أَنْ لَا أَكُونَ أَحْفَظُ ذَاكَ قَالَ غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ زَعَمَ أَنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ بَعْدَ أَنْ يَكُونُوا فِيهَا قَالَ يَعْنِي فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمْ عِيدَانُ السَّمَاسِمِ قَالَ فَيَدْخُلُونَ نَهَرًا مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ فَيَغْتَسِلُونَ فِيهِ فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمُ الْقَرَاطِيسُ فَرَجَعْنَا قُلْنَا وَيْحَكُمْ أَتُرَوْنَ الشَّيْخَ يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَجَعْنَا فَلَا وَاللَّهِ مَا خَرَجَ مِنَّا غَيْرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَوْ كَمَا قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ" [1] ."
ولم يخرج الرأي في كلام السلف عن هذه المعاني، واصبح علمًا على كل من يرجع إلى العقل عند كلامه في الدين، سواء مقدمًا له على النص أم لا.
والمتأمل لكلامهم يستنتج أن الرأي يطلق عندهم على معنيين:
الأول: الرأي بمعنى الرجوع إلى العقل وتقديمه على النص.
الثاني: الرأي بمعنى الرجوع إلى العقل مع تقديم نصوص الشرع عليه؛ فهو القياس الصحيح والمعاني والعلل الصحيحة التي علق الشارع بها الأحكام وجعلها مؤثرة فيها طردًا وعكسًا [2] . فـ [نعم وزير العلم الرأي الحسن] [3] .
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في كتاب الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة، حديث رقم (191)
(2) انظر جامع بيان العلم وفضله (1/ 47) ، وإعلام الموقعين (1/ 47) . ...
وعلى هذا فإن الرأي أعم من القياس؛ فيدخل فيه الاستحسان وغيره، وهو الظاهر. وقد اشار إلى إرادة ذلك البخاري في صحيحه كما ذكر ذلك ابن حجر رحمه الله في فتح الباري (13/ 291) . وقيل: الرأي غير القياس؛ لأن القياس هو الحكم بشيء لا نص فيه بمثل الحكم في شيء منصوص. والرأي هو الحكم بالأصح والأحوط والسلم في العاقبة. قاله ابن حزم في"الإحكام" (7/ 977) . وقيل: الرأي والقياس مترادفان. قاله الكرماني في شرحه للبخاري (25/ 55 - 56) . والأول هو المعتمد.
(3) من كلام الزهري أسنده ابن عبدالبر عنه في جامع بيان العلم وفضله (2/ 60) . وانظر منه (2/ 33) .