فهرس الكتاب
ومما يدل على صحة ما ذهبنا إليه، من أن الدين طريقه الاتباع: أنا إذا سلكنا طريق الإنصاف، وطرحنا المكابرات من جانب فلا بد من الانقياد لما قلناه؛ لأن المقصود في الابتداء إذا كان هو إصابة الحق؛ فليتدبر المرء الحق.
فليتدبر المرء المسلم المسترشد أحوال هؤلاء الناظرين كيف تحيّروا في نظرهم، وارتكسوا فيه. فلئن نجا واحد بنظره فقد هلك فيه الألوف من الناس، وإلى أن يبصر واحد فواحد بنظره طريق الحق، بنظر رحمة سبق من الله له، فقد ارتطم بطريق الكفر والضلالات والبدع بنظرهم أضعاف أضعاف عدد الأولين.
وهل كانت الزندقة والإلحاد وسائر أنواع الكفر والضلالات والبدع منشؤها وابتداؤها إلا من النظر؟! فلو أنهم أعرضوا عن ذلك، وسلكوا طريق الاتباع ما أدّاهم إلى شيء منها. فما من هالك في العالم إلا وبدو هلاكه من النظر! وما من ناج في الدين سالك سبيل الحق إلا و بدو نجاته من حسن الاتباع! أفيستجيز مسلم أن يدعو الخلق إلى مثل هذا الطريق المظلم ويجعله سبيل منجاتهم؟ وكيف يستجيز ذو لب وبصيرة أن يسلك مثل هذا الطريق، وأنى له الأمان من هذه المهالك؟ وكيف له المنجاة من أودية الكفر، وعامتها بل جميعها، إنما يهبط عليها من هذه المرقاة؟ - أعني: طلب الحق من النظر -، ولو أعطي الخصم النصفة لا يجد بدًا من الإقرار أن من كان غوره في النظر أكثر كانت حيرته في الدين أشد، وأعظم.
وهل رأى أحد متكلمًا أدّاه نظره وكلامه إلى تقوى في الدين، أو ورع في المعاملات، أو سداد في الطريقة، أو زهد في الدنيا، أو إمساك عن حرام وشبهة، أو خشوع في عبادة، أو ازدياد من طاعة إلا الشاذ النادر؟!
قل: لو قلبت القصة كنت صادقًا تراهم أبدًا منهمكين في كل فاحشة، ملتبسين بكل قاذورة لا يرعوون عن قبيح، و لا يرتدعون من باطل إلا من عصمه الله. فلئن دلهم النظر على اليقين وحقيقة التوحيد؛ فليس ثمرة اليقين هذا، وتعسًا لتوحيد أدّاهم إلى مثل هذه الأشياء، وأوردهم هذه المتالف في الدين، ومن الله التوفيق وحسن المعونة.] [1] .
(1) مابين معقوفتين من كلام أبي المظفر السمعاني، في الانتصار لأهل الحديث، بواسطة الحجة في بيان المحجة (2/ 115 - 122) ، و صون المنطق والكلام للسيوطي ص170 - 174.