فهرس الكتاب
قال ابن تيمية رحمة الله عليه:"ومن العجب: أن أهل الكلام يزعمون أن أهل الحديث والسنة أهل تقليد ليسوا أهل نظر واستدلال، وأنهم ينكرون حجة العقل. وربما حكى إنكار النظر عن بعض أئمة السنة، وهذا مماينكرونه عليهم."
فيقال لهم: ليس هذا بحق؛ فإن أهل السنة والحديث لا ينكرون ما جاء به القرآن، هذا أصل متفق عليه بينهم. والله قد أمرنا بالنظر والاعتبار والتفكر والتدبر في غير آية. و لا يعرف عن أحد من سلف الأمة و لا أئمة السنة وعلمائها: أنه أنكر ذلك، بل كلهم متفقون على الأمر بما جاءت به الشريعة، من النظر والتفكر والاعتبار والتدبر وغير ذلك، ولكن وقع اشتراك في لفظ"النظر"و"الاستدلال"ولفظ"الكلام"؛ فإنهم أنكروا ما ابتدعه المتكلمون من باطل نظرهم وكلامهم واستدلالهم، فاعتقدوا أن إنكارهم هذا مستلزم لإنكار جنس النظر والاستدلال.
وهذا كما أن طائفة من أهل الكلام يسمي ما وضعه: أصول الدين، وهذا اسم عظيم، والمسمى به فيه من فساد الدين ما الله به عليم، فإذا أنكر أهل الحق والسنة ذلك، قال المبطل: قد أنكروا أصول الدين! وهم لم ينكروا ما يستحق أن يسمى أصول الدين، وإنما أنكروا ما سماه هذا أصول الدين، وهي أسماء سموها هم وآباؤهم بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان، فالدين ما شرعه الله ورسوله، وقد بين أصوله وفروعه، ومن المحال أن يكون الرسول قد بين فروع الدين دون أصوله، ... ، فهكذا لفظ"النظر، والاعتبار، والاستدلال".
وعامة هذه الضلالات إنما تطرق من لم يعتصم بالكتاب والسنة، كما كان الزهري يقول:"كان علماؤنا يقولون: الاعتصام بالسنة هو النجاة"، وقال مالك:"السنة سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق".
وذلك أن السنة والشريعة والمنهاج: هو الصراط المستقيم، الذي يوصل العباد إلى الله. والرسول: هو الهادي الخِرِّيت في هذا الصراط، كما قال تعالى: {إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا} [الأحزاب:45 - 46] ، وقال تعالى: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم: صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض، ألا إلى الله تصير الأمور} [الشورى:52 - 53] ، وقال تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام:153] . وقال عبدالله بن مسعود:"خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًا، وخط خطوطًا عن يمينه وشماله، ثم قال: هذا سبيل"