الصفحة 142 من 205

ومالك بن أنس، وابن عون، وأيوب، ويونس بن عبيد، وسليمان التيمي، وسفيان الثوري، ويحي بن سعيد، وابن جريج، والأوزاعي، وشعبة، وعبدالله بن المبارك، وأمثال هؤلاء من المتقنين؟

على أن المنفرد بفن من الفنون لا يعاب بالزلل في غيره، وليس على المحدث عيب أن يزل في الإعراب، ولا على الفقيه أن يزل في الشعر، وإنما يجب على كل ذي علم أن يتقن فنه، إذا احتاج الناس إليه فيه، وانعقدت له الرئاسة به، وقد يجتمع للواحد علوم كثيرة، والله يؤتي الفضل من يشاء"اهـ [1] ."

وقال رحمة الله عليه أيضًا:"و لا أعلم أحدًا من أهل العلم والأدب، إلا وقد اسقط في علمه كالأصمعي، وأبي زيد، وأبي عبيدة، وسيبويه، والأخفش، والكسائي، والفراء، وأبي عمرو الشيباني، وكالأئمة من قراء القرآن، والأئمة من المفسرين. وقد أخذ الناس على الشعراء في الجاهلية والاسلام الخطأ في المعاني، وفي الإعراب، وهم أهل اللغة، وبهم يقع الاحتجاج؛ فهل أصحاب الحديث في سقطهم إلا كصنف من الناس؟ على أنا لا نخلي أكثرهم من العذل في كتبنا في تركهم الاشتغال بعلم ما قد كتبوا، والتفقه بما جمعوا، وتهافتهم على طلب الحديث من عشرة أوجه، وعشرين وجهًا، وقد كان في الوجه الواحد الصحيح، والوجهين مقنع لمن أراد الله عزوجل بعلمه حتى تنقضي أعمارهم ولم يحلّوا من ذلك إلا بأسفار أتعبت الطالب، ولم تنفع الوارث؛ فمن كان من هذه الطبقة فهو عندنا مضيع لحظه، مقبل على ما كان غيره انفع له منه، وقد لقبوهم بالحشوية والنابتة والمجبرة، وربما قالوا: الجبرية، وسموهم الغثاء، والغثر، وهذه كلها أنباز لم يأت بها خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أتى عنه في القدرية، والخوارج، ونحوهم، فهذه أسماء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلك اسماء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلك أسماء مصنوعة ... ، والفطرة التي فطر الناس عليها والنظر يبطل ما قذفوهم به."

أمّا الفِطَر فإن رجلًا لو دخل المصر واستدل على القدرية فيه أو المرجئة لدله الصبي والكبير والمرأة العجوز والعامي والخاصي والحشوة والرعاع على المسمين بهذا الاسم! ولو استدل على أهل السنة لدلوه على أهل الحديث! ولو مرّت جماعة فيهم القدري والسني والرافضي والمرجيء والخارجي فقذف رجل

(1) تأويل مختلف الحديث ص54.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت