الصفحة 143 من 205

القدرية أو لعنهم لم يكن المراد بالشتم أو اللعن عندهم؛ أصحاب الحديث! هذا أمر لا يدفعه دافع و لا ينكره منكر.

وأمّا النظر فإنهم أضافوا القدر إلى أنفسهم وغيرهم يجعله لله تعالى دون نفسه، ومدعي الشيء لنفسه أولى بأن ينسب إليه ممن جعله لغيره! ... ، وبلغني أن رجلًا من أصحاب الكلام قال لرجل من أهل الذمة: ألا تسلم يا فلان؟ فقال: حتى يريد الله تعالى. فقال له: قد أراد الله، ولكن إبليس لا يدعك. فقال له الذمي: فأنا مع أقواهما"اهـ [1] ."

وقال ابن تيمية رحمه الله:"جميع أصول الكفر ... هي تكذيب الرسل أو مضاهاتهم ... وهذه هي أصول البدع، التي نردها نحن، في هذا المقام؛ لأن المخالف للسنة يرد بعض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، أو يعارض قول الرسول بما يجعله نظيرًا له، من رأي أو كشف، أو نحو ذلك."

ثم قال بعد كلام قريب من كلام ابن قتيبة الآنف الذكر: وهؤلاء يعيبون منازعهم [يعني: يعيبون أهل الحديث بوصفهم حشوية] :

إما لجمعه حشو الحديث، من غير تمييز بين صحيحه وضعيفه، أو لكون اتباع الحديث في مسائل الأصول من مذهب الحشو؛ لأنها مسائل علمية، والحديث لا يفيد ذل؛ لأن اتباع النصوص مطلقًا في المباحث الأصولية الكلامية حشو!! لأن النصوص لا تفي بذلك، فالأمر راجع إلى أحد أمرين: إما ريب في الإسناد، أو في المتن.

[و] إما لأنهم يضيفون إلى الرسول مالم يعلم أنه قاله، كالأخبار الآحاد، ويجعلون مقتضاها العلم.

وإما لأنهم يجعلون ما فهموه من اللفظ معلومًا، وليس هو بمعلوم؛ لما في الأدلة اللفظية من الاحتمال!

و لا ريب أن هذا عمدة كل زنديق ومنافق، يبطل العلم بما بعث الله به رسوله. تارة يقول: لا نعلم أنهم قالوا ذلك. وتارة يقول: لا نعلم ما أرادوا بهذا القول.

(1) تأويل مختلف الحديث ص55 - 57 باختصار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت