فهرس الكتاب
عن يحي بن آدم قال: سمعت الحسن بن صالح يقول:"كان أبوحنيفة النعمان بن ثابت فهمًا متثبتًا؛ فإذا صح عنده الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعده إلى غيره" [1] .
قال أبو عمر ابن عبدالبر النمري رحمه الله:"أفرط أصحاب الحديث في ذم أبي حنيفة وتجاوزوا الحد في ذلك! والسبب والموجب لذلك عندهم:"
إدخاله الرأي والقياس على الآثار واعتبارهما. وأكثر أهل العلم يقولون: إذا صح الأثر بطل القياس والنظر، وكان رده لما ردّ من أخبار الآحاد بتأويل محتمل، وكثير منه قد تقدمه إليه غيره، وتابعه عليه مثله، ممن قال بالرأي، وجل ما يوجد له من ذلك ماكان منه اتباعًا لأهل بلده، كإبراهيم النخعي، وأصحاب ابن مسعود، إلا أنه أغرق وافرط في تنزيل النوازل هو وأصحابه والجواب فيها برأيهم واستحسانهم؛ فأتى منه من ذلك خلاف كبير للسلف، وشنع هي عند مخالفيهم بدع، وما أعلم أحدًا من أهل العلم إلا وله تأويل في آية أو مذهب في سنة ردّ من أجل ذلك المذهب سنة أخرى، بتأويل سائغ أو ادعاء نسخ؛ إلا أن لأبي حنيفة من ذلك كثيرًا وهو يوجد لغيره قليل.
وقد ذكر يحي بن سلام قال: سمعت عبدالله بن غانم في مجلس إبراهيم بن الأغلب يحدث عن الليث بن سعد أنه قال: أحصيت على مالك بن أنس سبعين مسألة كلها مخالفة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، مما قال مالك فيها برأيه. قال: ولقد كتبت إليه في ذلك.
قال أبو عمر بن عبدالبر النمري: ليس لأحد من علماء الأمة يثبت حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرده دون ادعاء نسخ عليه بأثر مثله أو بإجماع، أو بعمل يجب على أصله الانقياد إليه، أو طعن في سنده، ولو فعل ذلك أحد سقطت عدالته فضلًا عن أن يتخذ إمامًا، ولزمه إثم الفسق.
ونقموا أيضًا على أبي حنيفة الإرجاء [2] ، ومن أهل العلم من ينسب إلى الإرجاء كثير، لم يعن أحد بنقل قبيح ما قيل فيه، كما عنوا بذلك في أبي حنيفة؛ لإمامته. وكان أيضًا مع هذا يحسد، وينسب إليه ما ليس فيه، ويختلق عليه ما لا يليق، وقد اثنى عليه جماعة من العلماء، وفضلوه.
(1) مناقب الأئمة الأربعة لابن عبدالهادي ص68.
(2) اقتصر ابن عبدالبر رحمه الله على ذكر أمرين اثنين فقط نقمهما أهل الحديث في أبي حنيفة رحمه الله، وبقي أمر آخر، وهو ما أورده عبدالله بن أحمد بن حنبل رحمه الله في كتابه السنة (1/ 185) عن الأوزاعي رحمه الله أنه قال:"احتملنا عن أبي حنيفة كذا، وعقد بأصبعه، واحتملنا عنه كذا وعقد بأصبعه الثانية، واحتملنا عنه كذا، وعقد بإصبعه الثالثة العيوب، حتى جاء السيف على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فلما جاء السيف على أمة محمد لم نقدر أن نحتمله"اهـ المراد به: أن أبا حنيفة كان يرى الخروج على السلطان الجائر. وهذا خلاف ما عليه أهل السنة، أهل الحديث، قال أبو يوسف: كان أبوحنيفة يرى السيف. فقيل له: فأنت؟ قال: معاذ الله. السنة لعبدالله بن أحمد بن حنبل (1/ 182) .