الصفحة 150 من 205

في الأقطار، وما ذلك إلا لسرائر علمها منهم عالم خفيات الأسرار، ولله في خلقه خواص خصهم بها، وقدرها لهم، وكل شيء عنده بمقدار"اهـ [1] ."

والعذر لأهل الحديث الذين تكلموا فيه أنهم أرادوا النصيحة للناس وخاصة اتباعه ومن يتعصب له، أن لا يقع في ما لديه من الخطأ، الذي هو - إن شاء الله تعالى - مغفور لأبي حنيفة، أصاب فيه أجرًا وفاته آخر. وحال أبي حنيفة من هذه الجهة ينبغي أن لا تكون محل خلاف، كذلك ينبغي أن لا تكون مبررًا لأن يؤخذ بقوله الذي أخطأ فيه، وهذا ما قصده - إن شاء الله تعالى - أهل الحديث من تحذيرهم وكلامهم في ذلك. خاصة إذا تذكرت أن بعض من نقل عنه الطعن في أبي حنيفة من جهة ما لديه من الخطأ؛ نقل عنه الثناء على أبي حنيفة من جهة أخرى! كما نقل عن ابن عيينة الثناء على أبي حنيفة، ونقل عنه الطعن فيه.

قال المعلمي رحمه الله:"إذا علمنا أن ابن عيينة كان يطيب الثناء على أبي حنيفة؛ فإن ذلك يرشدنا إلى حمل تلك المقالة على معنى آخر أدنى إلى الصواب، مع ما فيه من الحكمة البالغة التي تهدينا إلى باب عظيم النفع في فهم ما ينقل عن أهل العلم من كلام بعضهم في بعض."

وحاصله: أن أكثر الناس مغرمون بتقليد من يعظم في نفوسهم والغلو في ذلك، حتى إذا قيل لهم: إنه غير معصوم عن الخطأ والدليل قائم على خلاف قوله في كذا؛ فدل ذلك على أنه أخطأ، ولا يحل لكم أن تتبعوه على ما أخطأ فيه. قالوا: هو أعلام منكم بالدليل، وأنتم أولى بالخطأ منه؛ فالظاهر أنه قد عرف ما يدفع دليلكم هذا. فإن زاد المنكرون فأظهروا حسن الثناء على ذلك المتبوع كان أشد لغلو متبعيه.

خطب عمار بن ياسر في أهل العراق قبل وقعة الجمل ليكفهم عن الخروج مع أم المؤمنين عائشة فقال:"والله إنها لزوجة نبيكم صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة ولكن الله تبارك وتعالى ابتلاكم ليعلم إياه"

(1) مناقب الأئمة الأربعة لابن عبدالهادي ص57. ولمّا ذكر أباحنيفة رحمه الله لم يذكر فيه طعنًا و لا جرحًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت