الصفحة 153 من 205

أما إذا أريد بهذه العبارة: إسقاط كلام الإمام - وغيره من أهل الحديث الذين قيلت فيهم هذه العبارة ونحوها - في فقه الحديث، وبيان معانيه واختياراته وترجيحاته في مسائل العلم، فهذا معنى منكر باطل، يرد عليه بما يلي:

يقال لهم: ما الفقه عندكم؟ إن أردتم بالفقه حفظ المسائل والمتون والخوض بالافتراضات، دون تأصيل ذلك على الدليل الصحيح؛ فهذا الفقه أهل الحديث من أبعد الناس عنه، بله إمامهم أحمد بن حنبل رحمه الله.

وإن أردتم بالفقه: الفهم والتفقه لنصوص الكتاب العزيز والسنة المطهرة على ضؤ فهم الصحابة رضوان الله عليهم وتابعيهم، دون تعصب لأحد، إلا للدليل، فنحن نطالب بدليل واحد على أن الإمام أحمد أو أحد من أهل الحديث لم يكن كذلك!

ثم هل القول عن إنسان ما: إنه فقيه! يعني: أن كل ما جاء به حق؟ والقول عن إنسان ما: إنه محدث! يعني: أن كل ما جاء به باطل؟ أو أن العبرة بالدليل، فمن كان معه الدليل الصحيح السالم عن المعارضة فهو على الحق، ومن لا فلا؟!

وإذا كان الحق يُعرف بالدليل الصحيح السالم عن المعارضة؛ فما فائدة القول: فلان محدث ليس بفقيه؟ هل تغني عن الحق شيئًا؟

إن هذه الكلمة: محدث ليس بفقيه، بتلك المعاني الباطلة كلمة شيطانية، تجري على ألسنة بعض الناس فتقذف في القلوب الاستهانة بالحديث وأهله، وأن الفقيه يمكنه أن يستغني عن الحديث، وتصور الأمر وكأن هناك مشكلة بين الحديث وبين الفقه، وقديمًا نعى الخطابي (ت388هـ) رحمه الله، على من ذهب هذا المذهب، وسلك هذا السبيل، فقال رحمه الله:"ورأيت أهل العلم في زماننا قد حصلوا حزبين، وانقسموا إلى فرقتين: أصحاب حديث وأثر، وأهل فقه ونظر. وكل واحدة منهما لا تتميز عن أختها في الحاجة، و لا تستغني عنها في درك ما تنحوه من البغية والإرادة، لأن الحديث بمنزلة الأساس الذي هو الأصل، والفقه بمنزلة البناء الذي هو له كالفرع، وكل بناء لم يوضع على قاعدة وأساس فهو منهار، وكل أساس خلا من بناء وعمارة فهو قفر وخراب."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت