الصفحة 154 من 205

ووجدت هذين الفريقين - على ما بينهم من التداني في المحلين، والتقارب في المنزلتين، وعموم الحاجة من بعضهم إلى بعض، وشمول الفاقة اللازمة لكل منهم إلى صاحبه: إخوانًا متهاجرين، وعلى سبيل الحق بلزوم التناصر والتعاون غير متظاهرين.

فأمّا هذه الطبقة، الذين هم أهل الأثر والحديث؛ فإن الأكثرين منهم إنما وكدهم الروايات وجمع الطرق، وطلب الغريب والشاذ من الحديث الذي أكثره موضوع أو مقلوب؛ لا يراعون المتون، و لا يتفهمون المعاني، و لا يستنبطون سيرها، و لا يستخرجون ركازها وفقهها، وربما عابوا الفقهاء، وتناولوهم بالطعن، وادعوا عليهم مخالفة السنن، و لا يعلمون أنهم عن ملغ ما أتوه من العلم قاصرون، وبسؤ القول فيهم آثمون.

وأمّا الطبقة الأخرى - وهم أهل الفقه والنظر - فإن أكثرهم لا يعرجون من الحديث إلا على أقله، و لا يكادون يميزون صحيحه من سقيمه، و لا يعرفون جيده من رديئه، ولا يعبأون بما بلغهم منه أن يحتجوا به على خصومهم إذا وافق مذاهبهم التي ينتحلونها، ووافق آرائهم التي يعتقدونها. وقد اصطلحوا على مواضعة بينهم في قبول الخبر الضعيف والحديث المنقطع، إذا كان ذلك قد اشتهر عندهم وتعاورته الألسن فيما بينهم، من غير ثبت أو يقين علم به؛ فكان ذلك ضلة من الرأي وغبنًا فيه.

وهؤلاء - وفقنا الله وإياهم - لو حكي لهم عن واحد من رؤساء مذاهبهم وزعماء نحلهم قول يقول باجتهاد من قبل نفسه: طلبوا فيه الثقة، واستبرؤا له العهدة، فتجد أصحاب مالك لا يعتمدون من مذهبه إلا ما كان من رواية ابن القاسم، والأشهب، وضربائهم، من تلاد أصحابه، فإذا جاءت رواية عبدالله بن عبدالحكم وأضرابه لم تكن عندهم طائلًا!

وترى أصحاب أبي حنيفة لا يقبلون من الرواية عنه إلا ما حكاه أبو يوسف ومحمد بن الحسن والعلية من أصحابه والأجلة من تلامذته. فإن جاءهم عن الحسن بن زياد اللؤلؤي وذويه رواية قول بخلافه لم يقبلوه ولم يعتمدوه.

وكذلك تجد أصحاب الشافعي إنما يعولون في مذهبه على رواية المزني والربيع وسليمان المرادي، فإذا جاءت رواية حرملة والجيزي وأمثالهما لم يلتفتوا إليها، ولم يعتدوا بها في أقاويله.

وعلى هذا عادة كل فرقة من العلماء في أحكام مذاهب أئمتهم وأساتيذهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت