فهرس الكتاب
فإذا كان هذا دأبهم وكانوا لا يقنعون في أمر هذه الفروع وروايتها عن هؤلاء الشيوخ إلا بالوثيقة والثبت، فكيف يجوز لهم أن يتساهلوا في الأمر الأهم والخطب الأعظم؟ وأن يتواكلوا الرواية والنقل عن إمام الأئمة ورسول رب العزة: الواجب حكمه. اللازمة طاعته. الذي يجب علينا التسليم لحكمه، والانقياد لأمره، من حيث لا نجد في أنفسنا حرجًا مما قضاه، و لا في صدورنا غلًا من شيء مما أبرمه وأمضاه. أرأيتم إذا كان للرجل أن يتساهل في أمر نفسه، ويتسامح عن غرمائه في حقه، فيأخذ منهم الزيف، ويغضي لهم عن العيب؛ هل يجوز له أن يفعل ذلك في حق غيره إذا كان تائبًا عنه، كولي الضعيف، ووصي اليتيم، ووكيل الغائب؟ وهل يكون ذلك منه إذا فعله إلا خيانة للعهد، وإخفارًا للذمة؟ فهذا هو ذاك. إما عيان حس وإما عيان مثل. ولكن أقوامًا عساهم استوعروا طريق الحق، واستطالوا المدة في درك الحظ، وأحبوا عجالة النيل، فاختصروا طريق العلم، واقتصروا على نتف وحروف منتزعة عن معاني أصول الفقه، سموها عللًا، وجعلوها شعارًا لأنفسهم في الترسم برسم العلم، واتخذوها جُنة عند لقاء خصومهم، ونصبوها دريئة للخوض والجدال، يتناظرون بها ويتلاطمون عليها. وعند التصادر عنها قد حكم للغالب بالحذق والتبريز، فهو الفقيه المذكور في عصره، والرئيس المعظم في بلده ومصره.
هذا وقد دس لهم الشيطان حيلة لطيفة، وبلغ منهم مكيدة بليغة، فقال لهم: هذا الذي في أيديكم علم قصير، وبضاعة مزجاة، لا تفي بمبلغ الحاجة والكفاية، فاستعينوا عليه بالكلام، وصلوه بمقطعات منه، واستظهروا بأصول المتكلمين؛ يتسع لكم مذهب الخوض ومجال النظر! فصدق عليهم ظنه، وأطاعه كثير منهم واتبعوه، إلا فريقًا من المؤمنين.
فيا للرجال والعقول! أنّى يذهب بهم؟ وأنى يختدعهم الشيطان عن حظهم وموضع رشدهم؟! والله المستعان"اهـ [1] ."
وبعد: هل يقال عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، أو عن أحد كبار أهل الحديث، أنه محدث ليس بفقيه؟ بل هل يتردد أحد في الجزم بأنه لا فقه بدون حديث، و لاحديث دون فقه؟ بل هل يقول أحد إن الإمام أحمد وكبار أهل الحديث لم يكونوا على منهج السلف الصالح في التفقه؟
(1) معالم السنن (1/ 5 - 10) .