الصفحة 156 من 205

لست أظن من يقف على ما ذكرت يتردد في وصف الإمام أحمد بالفقه، وأن الله جمع له بين نعت المحدث ونعت الفقيه، بل لا أتصور محدثًا لا يفقه شيئًا مما يرويه!

وقوله صلى الله عليه وسلم:"نضر الله عبدًا سمع مقالتي فوعاها ثم بلغها عني، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" [1] ؛ ليس فيه أن أهل الحديث لا يفقهون ما يروونه من أخبار، غاية ما فيه أنه ليس من شرط التحمل والأداء الفقه، إنما شرطه الحفظ [2] . ولا يفهم من هذا الحديث وجود محدث لا يفقه شيئًا؛ فإن غايته أنه قد يوجد محدث ينقل حديثًا لا يفقهه، أو لا يفقه بعض ما فيه من معاني، لكن ليس في الخبر أنه لا يفقه شيئًا. وفي استعمال:"رُبّ"التي تفيد التقليل ما يشعر أن عامة أهل الحديث يفقهون حديثهم إلا القليل منهم فقد لا يفقه بعضًا مما يرويه، لا أنه لا فقه لديه.

وقبل أن أضع القلم وأطوي الصفحة، طاويًا - بإذن الله تعالى - معها هذه المقولة الباطلة، أسطر هنا المهمّات التالية:

أولا: هذه المقولة أوّلها هفوة، وبدعة، وآخرها تحلل وزندقة. أمّا كونها بدعة؛ فلأننا لم نعهدها من السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين. أمّا كونها تحلل وزندقة فلأنها تجر إلى اطراح كلام أهل العلم جميعه، وبالتالي اسقاط الشرائع وتعطيل الأحكام على المسلمين العوام؛ فبقال مرّة: هذا الحكم قاله فلان وهو محدث ليس بفقيه، فلا يقبل. ويقال مرّة: هذا الحكم قاله فلان، وهو فقيه ليس بمحدث، فلا يقبل. والنتيجة التحلل عن أحكام الديانة! أعيذك وإياي بالله العظيم من ذلك.

ثانيًا: ليس من مقصودي إثبات العصمة لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا أقصد أن الإمام أحمد بن حنبل وغيره من أئمة الحديث وكبارهم معصومون في كل قول يقولونه ويختارونه، إنما مقصودي بالذب عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله فيما رمي به، والذب عن أهل الحديث من خلال ذلك، وبيان أن منهج الإمام أحمد في التفقه هو منهج أهل الحديث وهو منهج الأئمة والسلف الصالح رضوان الله

(1) حديث متواتر. انظر نظم المتناثر ص24 - 25. وقال الحاكم رحمه الله في معرفة علوم الحديث ص27 عن هذا الحديث:"حديث مشهور مستفيض"اهـ.

(2) فيض القدير (6/ 284 - 285) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت