فهرس الكتاب
وإذا كانت القلوب على هذه الصفة امتنعت من المعرفة، وعميت عن الدلالة، وليست في الكتب علة تمنع من درك البغية وإصابة الحجة؛ لأن المتوحد بقراءتها، والمتفرد بعلم معانيها، لا يباهي نفسه، و لا يغالب عقله. والكتاب قد يفضل صاحبه، ويرجح على واضعه بأمور:
إن الكتاب يُقرأ بكل مكان، ويظهر ما فيه على كل لسان، وموجود في كل زمان، مع تفاوت الأعصار، وبعد ما بين الأمصار، وذلك أمر مستحيل في واضع الكتاب، والمنزع بالمسألة والجواب.
وقد يذهب العالم وتبقى كتبه، ويفنى العقل ويبقى أثره. ولولا ما رسمت لنا الأوائل في كتبها، وخلّدت من فنون حكمها، ودونت من أنواع سيرها، حتى شاهدنا بذلك ما غاب عنا، وأدركنا به ما بعد منا، وجمعنا إلى كثيرهم قليلنا، وإلى جليلهم يسيرنا، وعرفنا مالم نكن لنعرفه إلا بهم، وبلغنا الأمد الأقصى بقريب رسومهم؛ إذا [1] لحسر طلاب الحكمة، وانقطاع سببهم عن المعرفة.
ولو ألجينا إلى مدى قوتنا ومبلغ ما تقدر على حفظه خواطرنا، وتركنا مع منتهى تجاربنا، لما أركته حواسنا وشاهدته نفوسنا، لقلت [2] المعرفة، وقصرت الهمة، وضعفت المنة، وماتت الخواطر، وتبلد العقل، ونقص العلم، فكان ما دوّنوه في كتبهم أكثر نفعًا، وما تكلفوه من ذلك أحسن موقعًا، ويجب الاقتفاء لآثارهم، والاستضاءة بأنوارهم؛ فإن المرء مع من أحب، وله أجر ما احتسب"اهـ [3] ."
فانظر - سلمك الله - مكانة الكتب، وما تنقله إلينا من العلم، فهل يقول قائل: لا طريق للعلم إلا التلقي عن المشايخ!
ولأمر ما كان أوّل ما نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} [العلق:1] فبدأ التنزيل باقرأ، والقراءة من كتاب، وكفى بنفسك عليك بصيرة.
(1) هذا جواب"لولا"في أول المقطع.
(2) هذا جواب"لو"في أوّل المقطع.
(3) تقييد العلم للخطيب البغدادي ص118 - 119، وقارن بـ"الحيوان"للجاحظ (1/ 84 - 86) ، وانظر أدب الطلب ومنتهى الأدب ص55.